كتب/ محمد حامد خضر
ليست كل الأمسيات الثقافية تُقاس فقط بما يُقال على المنصة، فالكلمة إن لم تُوثَّق، تظل لحظة عابرة يبتلعها النسيان. وفي أمسية «الإذاعة عشق» بملتقى ظل الصفصافـة، اجتمع عنصران لا يكتمل الحدث بدونهما:
الصوت الذي يُلهم… والعين التي ترصد وتحفظ.
كانت المنصة عامرة بحضور الإذاعية الكبيرة والإعلامية المبدعة الأستاذة جيهان الريدي، التي لم تكن مجرد ضيفة، بل كانت روح الأمسية ونبضها. حديثها عن الإذاعة جاء مشبعًا بالخبرة والعشق الحقيقي لهذا الفن العريق. تكلمت فاستعدنا زمنًا كان فيه الصوت رسالة، وكانت الكلمة مسؤولية، وكان للمذياع مكان ثابت في قلوبنا قبل بيوتنا. حضورها منح الأمسية ثقلها، وصوتها أعاد إلى الذاكرة دفئًا لا يُنسى.
وفي الجانب الآخر من المشهد، بعيدًا عن مركز الضوء، كان هناك جهد لا يقل أهمية، بل لولاه ما خرجت الأمسية إلى جمهور أوسع. جهد الأستاذة مقبولة نور الدين، الأديبة والروائية، التي تولّت توثيق الحدث تصويرًا وكتابةً ونشرًا. والتوثيق ليس مهمة عابرة؛ إنه وعي كامل بما يحدث، وتركيز في كل كلمة تُقال، وانتباه لكل تفصيلة، حتى تتحول اللحظة إلى ذاكرة محفوظة.
أن تجلس الأستاذة مقبولة نور الدين بين الحضور، تتابع، وتلتقط الصور، وتدوّن، ثم تعيد صياغة المشهد وتنشره، فهذا عمل ثقافي متكامل يستحق التقدير. فلولا جهدها في الرصد والتوثيق، ما وصلت أصداء الأمسية إلى من لم يحضر، وما عُرفت تفاصيلها، ولا بقي أثرها بعد انقضائها.
ولم يقتصر حضورها على التوثيق فحسب، بل فاجأتنا في ختام الأمسية بإبداع من إبداعاتها، حين ألقت علينا نصًا من نصوصها، فكشفت لنا عن وجه آخر من موهبتها. عندها لم نعد أمام موثِّقة للحدث فقط، بل أمام قامة أدبية حقيقية. اكتشفنا قاصة وروائية أكثر من رائعة، تمتلك لغة آسرة وحضورًا يفرض الاحترام. كلماتها غيّرت نظرتنا أكثر وأكثر، وجعلتنا نشعر أننا في حضرة اسم كبير يضيف إلى المشهد الثقافي بعمق وإبداع.
ويزداد التقدير حين نعلم أن دورها لا ينتهي بانتهاء الأمسية. فبينما يغادر الحضور إلى بيوتهم لينالوا قسطًا من الراحة بعد أمسية ممتعة، تظل هي ساهرة، تراجع الصور، وتصوغ الكلمات، وتُعِدّ المادة للنشر، حتى يخرج الحدث إلى الناس في أبهى صورة. ذلك الجهد الخفي، الذي لا يراه كثيرون، هو في الحقيقة العمود الذي تستند إليه ذاكرة الأمسية. وهو جهد يُشكر عليه بصدق، ويستحق كل الامتنان.
هكذا اكتملت الصورة في تلك الليلة:
صوتٌ إعلامي متمرس تمثله الأستاذة جيهان الريدي،
وقلمٌ مبدع وعدسة واعية تمثلهما الأستاذة مقبولة نور الدين.
هي تحية تقدير لصوتٍ ألهم وأمتع،
وتحية شكر خالصة للأستاذة مقبولة نور الدين، التي أثبتت أن الثقافة لا تُصنع بالكلمة وحدها، بل تُصان بالتوثيق، ويُخلَّد أثرها بالسهر والتفاني والإخلاص.




































