جهاد و رامي
(نداء الآفاق والهجرة…)
يومها عاد “جهاد” مع عمّه
نَظْرَتُه مختلفة، وعيناه تُخْفيان أمرًا…
ما الّذي حدث؟ …
وعرفَ أهلُه أنَّ سفرَه وشيكٌ جدًّا!…
نظرتْ أمّه الى وجهه، أصفر بلون حبّاتِ ليمونِ شجرةٍ لامسها بيديه …
أين ابتسامتُه المعهودة ، الّتي تفترّ عن أسنان اللؤلؤ الأبيض،كقلبه الطّيّب الحنون…لتبقى محارَةُ أحلامِه غارقةً بعشقِ أرضه؟
حَدْسُ الأمومة لا يُخطئ …
أنّه ذاهبٌ قريبًا إلى بلاد الاغتراب…
فكّرتْ !…كيف لم تتركْ بلادها الجميلة النّابضة في حناياها ،وأولادُها صغارُ…
لتَنشَأ بينهم وبين الأرضِ علاقةٌ بهيّةٌ خاصّة لا تنتزعها الأيّام …
أمّا أخوه “رامي” فكان يُفضِّلُ الكتابَ على تقليمِ أشجارِ الزّيتون،وتكسيرِ الصّخور ،مع العمّ “جميل” لتغدو يدُ “جهاد” تهزمُ بقوّتها جميع مَن يتحدّاه في “الكباش”.
جفّتْ في عيني الأمّ الدّموعُ ،فالنّسائم العليلة في بيتهم الصّيفي المطلّ على الأفق ،لا تريد أن يراها ولدُها وهي تبكي …
وعلى مرأًى منهم ،بدتِ السّفنُ الماخرةُ البحرَ…حكايةَ الأبناء الّذين يتركون البلدَ الأمّ … يتركُون الأمَّ… والأهل …والرّفاقَ …
ويتوجّهون حيثُ مستقبلِهم…
فينسلخُ أولادُنا من أجملِ ما عاشوه ليحملوا معهم ورودَ الحنين…
ذكرى غالية …براعمُها باقيةٌ تنتظرهم…
منذُ أيام لم تَكُنِ الهجرة في الحسبان…
راح “جهاد” إلى كرمِ جدّتِه الّتي يحبّها
(وكثيرًا ما كان يتذوّقُ من طبخها اللّذيذ…
غريبٌ!… كيف أنَّ المحبّة تتنفّس في الطّعام فيطيب …)
كان قد نظّف الكرم من الأشجار البرّيّة الّتي تجتاح ما تبقّى من الدّوالي الجاسمة على ركائز من جذوعِ التّوت الصّامدة، الّتي تشهدُ على اهتمام الجيل الماضي بالأرض …
وكأنّ بصماتِ الأجداد ما زالت عالقةً فيها…
يا الله !…غدًا سيسافر الإبن البكر …
وقع الخبرُ كالصّاعقة على العيلة والجيران …
هو آخر يوم يُمضيه في ضيعته …
راحتِ النّسوة وأبناؤهنّ، يُحضّرن بعض المأكولات ليمضوا آخرَ ليلة مع أوّلِ شابٍ يتركُ الحيّ الّذي يعجّ بالأصوات ليلًا في لعب الورق…
والأمّ وقد هزّتها الصّدمة ،انشلّت يداها … لم تدرِ ماذا تفعل …
راحتْ تدخل من غرفة إلى أخرى، لتُخبّئ قميصًا لابنها يحمل رائحته النّديّة…
الحسناء:٢٠٢٦/١/١
بقلم / حسناء سليمان
يتبع:
(القصّة حقيقيّة ،أمّا الأسماء فمستعارة …)
*البحر يُنادي أبناءنا إلى البعيد !…







































