بين محاكمة الكاتب وقراءة النص
تمييز منهجي في النقد الأدبي الحديث
يُعدّ الفصل بين تقييم أفكار صاحب النص والدراسة النقدية الأدبية للنص ذاته من المرتكزات المنهجية الأساسية في النقد الأدبي الحديث، غير أنّ هذا الفصل ظلّ إشكاليًا في كثير من القراءات العربية، حيث تداخلت الأحكام الفكرية والأيديولوجية مع التحليل الجمالي، مما أفضى إلى تشويه وظيفة النقد وتحويله من ممارسة معرفية تحليلية إلى سلطة تقويم أخلاقي أو سياسي. إنّ النقد الأدبي، في جوهره، لا ينشغل بمدى صواب أفكار الكاتب أو خطئها، بل بكيفية تشكّل النص بوصفه بنية لغوية وجمالية مستقلة.
أولًا: تقييم أفكار الكاتب – القراءة الخارجية
ينتمي تقييم أفكار صاحب النص إلى ما يُعرف في المناهج النقدية بـ القراءة الخارجية، حيث يتم التركيز على:
• المرجعية الفكرية أو الأيديولوجية للكاتب
• موقعه السياسي أو الديني أو الثقافي
• العلاقة بين خطابه والنظام الاجتماعي أو السلطوي وحتى يصل الى مدى علاقته الشخصية
والسؤال المركزي في هذا السياق هو: ماذا يقول الكاتب؟ ولماذا يقول ذلك؟ وهي مقاربة مشروعة في:
• النقد الثقافي
• الدراسات الفكرية
• سوسيولوجيا الأدب
كما نجد جذورها في النقد العربي الحديث لدى:
• عبد الله الغذامي في مشروعه حول النقد الثقافي وتحليل الأنساق المضمرة
• محمد عابد الجابري في مقاربته للعقل والخطاب بوصفهما نتاجًا بنيويًا للثقافة
إلا أنّ هذه المقاربة، رغم مشروعيتها، لا تمثل نقدًا أدبيًا بالمعنى الدقيق، لأنها:
• تحاكم الخطاب الفكري لا البنية الفنية
• وتُصدر حكمًا على المؤلف لا على النص
ومن ثم فهي قراءة خارج نصية.
ثانيًا: النقد الأدبي – القراءة الداخلية للنص
يقوم النقد الأدبي الحديث على مبدأ أساسي مفاده: استقلال النص عن مؤلفه وسياقه المباشر وهو مبدأ تبنّته مدارس نقدية عالمية، ووجد صداه بوضوح في النقد العربي المعاصر، لا سيما لدى:
• كمال أبو ديب
الذي شدّد على مركزية البنية والإيقاع والعلاقات الداخلية في النص، ورفض القراءة الانطباعية أو الأخلاقية.
• عبد السلام المسدي
الذي نظر إلى النص بوصفه نظامًا لغويًا مستقلًا، يخضع لقوانين التداول والدلالة لا لنيّات المؤلف.
• صلاح فضل
الذي ميّز بوضوح بين التحليل الجمالي للنص وبين تقييم المواقف الفكرية للكاتب، مؤكدًا أنّ الخلط بينهما يفضي إلى “تسييس الذائقة”.
• يوسف وغليسي (في النقد السيميائي)
حيث يتم التعامل مع النص كنسق علاماتي مغلق نسبيًا، يُحلَّل من داخله.
وفي هذا الإطار يصبح السؤال النقدي: كيف كُتب النص؟ وكيف اشتغل لغويًا وجماليًا؟ وبموجبه ينبغي دراسة:
• البنية النصية
• العلاقات الدلالية
• الإيقاع
• الصورة
• الانزياح
• التماسك والاقتصاد اللغوي
وهنا يُقاس النص بما يحققه فنيًا، لا بما يمثله أيديولوجيًا.
اشكالية الخلط المنهجي في النقد العربي
أدّى الخلط بين تقييم الكاتب ونقد النص إلى ظواهر سلبية، من أبرزها:
• إقصاء نصوص عالية القيمة الفنية بسبب مواقف أصحابها
• تبرير نصوص ضعيفة فنيًا بسبب “قداسة” أو شعبية كتّابها
وهو ما حذّر منه غير ناقد عربي واحد، إذ أشار كمال أبو ديب إلى أنّ تحويل النقد إلى محكمة أخلاقية يُفرغه من وظيفته المعرفية، بينما أكّد صلاح فضل أنّ هذا الخلط “أخطر أشكال التسلّط على النص”.
خلاصة منهجية
يمكن تلخيص التمييز على النحو الآتي:
• تقييم أفكار الكاتب: ممارسة فكرية أو ثقافية أو أيديولوجية مشروعة، لكنها خارج النقد الأدبي.
• النقد الأدبي: ممارسة تحليلية جمالية، تنطلق من النص وتعود إليه.
إنّ احترام هذا التمييز لا يُعدّ ترفًا نظريًا، بل شرطًا ضروريًا لبناء نقد عربي رصين، يُنقذ النص من المحاكمة، ويُعيد للنقد وظيفته بوصفه علمًا للفهم لا أداة للإدانة. فالنص لا يُقرأ باعتباره وثيقة إدانة أو تبرئة لصاحبه، بل بوصفه كيانًا لغويًا جماليًا مستقلًا.
عدنان مهدي الطائي







































