سلسلة الانتربولوجيا والأدب
مقالات يكتبها الأستاذ الدكتور
حمام محمد
الجزائر
المدينة بوصفها كائنًا حميميًّا: من اغتراب المكان إلى إنبات الأمل..
قراءة في قصيدة.. الاه الحزينة .. للشاعرة مسعودة مصباح..
قصيدةِ «أين مكاني في هذه المدينة.
يبقى الأملُ – هنا – قائمًا على التمسّك بالحياة من رأسها إلى نهايتها، أملٌ تُستلَذّ معه كلُّ المتاهات الأخرى، حتى وإن اخترقها الألمُ والحزن.
وأنا أتمعّن قصيدةَ الشاعرة مسعودة مصباح بروحِ النقد البنيوي، الذي يأخذ من معنى المعنى صفةً لتركيب ما أراد الشاعر أن يقولَه من بوح، لن أُضيف كثيرًا إلى المتواتر عند الشاعرة، لأنني لمستُ في القصيدة مشربًا مختلطًا بين السرور والحبور، وبين الشقاء والنفور، ورفض الواقع الضاغط وتقبّل الانتماء.
وفي لحظة مماثلة أدركتُ أن هناك ربطًا عميقًا بالمدينة، يعتريها بكل أصولها وتأثيراتها، ولا أكون مبالغًا بالقول إن الشاعرة صنعت مشهدًا لذاتٍ لم تهجر كلَّ شيء، ولم تمتنع عن التفسّح في المدينة، بل أعادت تصوير أركانها في صورها الذهنية، حيث تنتعش مقاليدُ السيطرة على الاغتراب.
فصحيحٌ أن الاغتراب يُلهم الشاعرة في البداية، غير أنّه لا يمكث طويلًا حين تظهر الجسورُ المعلّقة، ومواقع سيدي مبروك ومنجدلي، فيتمدد عمقُ الدفاع، ويُردّ الحزن على عَقِبيه، ويُستبدل بصرخة أمل.
وفق هذا المنظور جالت الشاعرة، لتُجازي المدينة التي أبقت مشاعرها حيّة. وحتى لا نزيد فوق ما وصف الأديب العالمي طه حسين المدينةَ، فهي المكان الحيّ، الحاضر والمستقبلي، وشاهدةُ الماضي. فالشاعرة، في البعد التأويلي، رامت إدماج الماضي بالحاضر، فاختلط عليها الأمر، ولمّا وسّعت الحوارات النفسية، والإصغاءات إلى الفضاءات الجامدة والناطقة للمدينة، أدركت أن المكان يسكنها.
من خلال جولتها بين الأسى والانطلاق، أعربت عن ذاتها، وخرجت باعترافٍ مفادُه: أنا موجودة بوجود الجسور، وبوجود الأقوام التاريخية التي مرّت من هنا وهي تبني صنوف الحضارة.
هذه اللحظات تراود ذاتَ الشاعرة دائمًا بأن الانطلاق ممكن وغير ممكن؛ فالممكن لأنها في أمّ الشرق والحضارة، وغير الممكن لأن المعنى لديها لا يزال لم يتمدّد، رغم صرخة الإبداع وسعيه نحو التميّز، .
حاولت، وسامرت قيدَ سؤالٍ دائريٍّ بدأ من البداية وعاد إليها في النهاية، وكأنها ترسم دائرةً لا تريد الخروج منها إلى العلن، وهي ميزة أسلوبية جيّدة تُعيد الشاعرة إلى زمن انتقالها من نقطة البدء إلى مسقط رأسها. فسبيل المحاكاة عندها واضحٌ في حبّ المدينة، وفي القلق المستمر مما هو مضغوط عليه بفعل تعقّد الواقع. فالوضعية التي يعايشها الإنسان في الأرض تبقى مكانًا حنينيًّا لا يتكرّر، بسبب هجمة الوضع الحالي الذي تعيشه الذات الشاعرة.
جمعت الشاعرة في معجمها اللغوي، من خلال بنائها للقصيدة، عباراتٍ بسيطة ذات مدلولاتٍ تعبيرية علامتية وإيقوناتية، لأن الرمز عندها شعارٌ لكشف الماضي. وتغلّب حياؤها على الاعتراف بما يؤلمها حقًّا، وكانت القصائد القادمة – على ما يبدو – ستُعبّر عن بوحها الجاد.
تتقاطع الأنوار كأنها انكساراتٌ ضوئية؛ مرّةً تشير إلى ضوء الشمس وتذمّر الأمل، ومرّةً إلى الماضي الجميل والأماني، ومرّةً إلى العتمة والغرق والهمّ وأنّاتها.
يقول دي سوسير: إن هذا الاختلاط من المشاعر حالةُ قلقٍ تُشبه صريرَ بابٍ تُرك وحيدًا، إمّا مشرَعًا وإمّا مغلقًا. والذات الشاعرة في هذه القصيدة تريد فتح الباب فتحًا بطيئًا للإعراب عن الدفائن المغروسة، مستعملةً القيم الإيجابية والسلبية في معانٍ كثيرة أشرنا إليها.
وبانت لي على الفور – وأنا منغمس في مفرداتٍ متلاطمة، كأنها تبحث عمّا يوازيها – نظرةٌ صوفية، أو كأن العمل أشبه بسياحةٍ صوفية تتمدّد في شكل رحلة غوصٍ تبحث عن قوّة تتحكّم في تقلّب الأحوال. وهذا ما جعلني أركّز على ثنائية العتمة والنور.وغالبًا، حين يجد الأديب نفسه أمام هذه الثنائية، يذهب به التفكير المثالي إلى ذروته، كما يفعل المتحضّرون في لحظات سكونية، يذكرون ربّهم كلّ حين بلفظ الجلالة. والشاعرة تدرك ذلك من خلال إدراكها أن النور لا يتلاشى، وأن الهمّ مهما كان كبيرًا فهو قدرٌ ملازمٌ لحياة الإنسان.
ارتقاء الرحلة كان جميلًا، مؤثّرًا، وعميقًا. تظهر الدراما في قوّة الصراع بين الواقع الداخلي والخارجي، المتمثّل في الحركة العادية والوضعية الواقعية أو الروتينية للجماد والحركة، مما أوزع أفكارها في منحنيات الغرق والحصار. وتنظر إلى الحزن نظرةً صوفيةً تتعلّق بقدَر الذات وقيمتها الحقيقية، التي لا تزال تتطلّع إليها وراء الصراع. كأنها أرادت أن تقول: أنا موجودة خلف حزني، وأغصاني وشطآني لا تبارح واقعي الجميل في كل شيء، وحزني امتدادٌ لما لا أطيق أن أفارقه، وهو الواقع بأبعاده الثلاثة: الماضي، الحاضر، والمستشرف.
ومع ذلك، لا يزال نبضُ الأمل يدقّ في سمائها كنجمةٍ قادت سائلًا في حينٍ ذهب يبحث عن آخر يشبهه، في قصةٍ تمتدّ بين استشرافٍ واعٍ، وماضٍ، وحاضرٍ واقعي.وتلك الأرواحية هي التي تجلب المعنى المتخفّي وراء معنى، ووراءه حكاية سنفجّرها في بقية الديوان الخاص بالشاعرة مسعودة مصباح، والمعنون: «قِصّةُ اشتياق سنبحر فيها بين المعجميات التأويلية والمخمليّات الرومانسية .







































