علي هامش الحياة
خلق الله الحياة وأوجد فيها الإنسان، يحيا فيها بقدرته ، ويرحل عنها وفق مشيئته ، وما بينهما يُصرّف أحوالنا فيها بحكمته. منّا من يسعد بأيّامه ولياليه، ومنّا من يشقى بأحلامه وأمانيه، ولا يستقيم أمر العبد منّا على حال، تتقلّب أحواله كما تتقلّب أيّامه، ما بين صحّة ومرض، أمل ويأس ، فراغ وبؤس، فرح وأحزان، سعادة وآلام .
منّا من يهجر أوطانه هربًا من أحزانه، واهما أنّه سيجد الخلاص، ممّا ليس له منه مناص.
وما على العبد إلّا أن يرضى بقضاء الرّب، سبحانه قدر المقادير وكتب الآجال وحدّد الأعمار .
جلس العاشق الحزين فى جوف ليله بعد مرور الأيّام والأعوام ، قد تسلّل الشّيب إلى شعره، وتكالبت الذّكريات عليه ، حتّى أسدل عينيه وأطبق جفنيه فنادت عليه :
أيّها الغارق فى بحر الأحزان الجافي بلد الأحبّة والأوطان، أيّها المجالد ألم السّنين
أيّها المسكين، الضّاحك السّاخر الباكي الحزين، متى ينتهى بك الأنين .
أناااااديك أناااااديك أنااااادي……
فصحى من نومه يشعر بوخز شديد فى قلبه ، جراحه لم تخفّ، ونزيف قلبه لم يجفّ، يكابد أمواج وجد ماضيه، قد توقّفت أيّامه ولياليه، يحيا بين الظلّال والأضواء على هامش الحياة .
فخاطب قلبه الّذي طالما آلمه ( ما لجرح إذا أرضاكم ألم ).
فحمل همّه وحزم أمره، وفي طائرة العودة شاهد السّحاب تحت قدميه، فمرّت ذكرياته أمام عينيه ، وجاد الزّمان عليه بذكرى أوّل لقاء مع من في فؤاده أشرقت، وعن دنياه قد غربت.
وكان يا ما كان
فى حجرة كُــــتاب شيخ القرية يجلس الشّيخ وأمامه حلقات الطّلاب، وعلى مقربة منه يجلس وحيدًا فتى يافع ، تشعّ عيناه بريقًا لامعا ، ينمّ عن طيب أصل ورقّة قلب ، ويفصح عن ذكاء حادّ وبصيرة فؤاد .
و في ضوء الشّمس أمام الباب يتسابق ظلّ صغير وآخر كبير ، فتدخل هى أولا جالت ببصرها فاختارته جليسا لها، وولج أبوها خلفها، فصاح الشّيخ أشرقت الأنوار، وعادت الأيام الملاح والسّهر اليوم حتّى الصّباح، أهلا صديقى العزيز عودا حميدا بعد غربة طالت سنين، وأخذه بالأحضان، وهبّ الفتى مسرعا ليرتمى فى أحضان الزّائر الكريم صاحب المقام الكبير والعلم الغَزير ، وتعجّب الجميع فقال الشّيخ سبحان الله الدّم يحنّ ، إنّه عمّ الفتى، وابنته الفتاة، قد جمعت لأوّل مرّة بينهما الحياة.
تملك الفتاة مزيجا من ملامح مصريّة أصيلة وانجليزية عريقة. فخاطب العمّ ابن أخيه : هى قبلك احفظها فى قلبك، زهرة عائلتك ورفيقة دربك (سبحان من قدّر الأقدار ) إنّها أمانة لديك، وأشبه النّاس قلبا واسما إليك، هي الشّمس وأنت الضّياء .. وينتبه من ذكرياته، قد ساقته أقدامه إليها . يقترب إلى قبرها فى نفس موعد لقائهما؛ دمعت عيناه، ولم تكد تحمله قدماه، جليد قلبه يذوب من صدى صوتها الطّروب، فهمس إليها : ها أنا بين يديك حاضر لديك، أغالب لهيب الأحزان وأجاهد وحشة الأيام، وإذ بيد تربّت على كتفه إنّها يد عمه ورفيق أحزانه والّذي ارتمى في أحضانه، فقال عمّاه : هنا تنتهي الحياة. عمّاه : لا ملك ولا سلطان هنا ولا جاه. قال العم : نعم ولدي هوّن عليك هذه رسالتها كتبتها قديمًا إليك : ( لاتحزن؛ تحت قدميك هنا يبلغ العبد منتهاه، إنّ الحكم إلا لله). فأنشد يقول :
أضحى التّنائى بديلا عن تدانينا وناب عن طيب لقيانا تجافينا
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقا إليكم ولا جفّت مأقينا .
ذكريات عاشق حزين .
محمود فوزي الموجي







































