سلسلة الاعلام والذكاء الاصطناعي
المقال الثاني والستون
ا.د حمام محمد..جامعةالجلفة
الجزائر
عندما يهدد الذكاء الاصطناعي ذاكرة القماش: هل نفقد لباسنا التقليدي؟
قد نفقد ألبستنا التقليدية إلى الأبد إذا جرينا وراء استعمال الذكاء الاصطناعي في تصحيح وإنتاج ملابسنا التراثية. غير أنّ الإجابة النموذجية المستقاة من الواقع العلمي تتمثل في استحالة حدوث ذلك؛ لأنّ التراث الثقافي والفكري لا يمكن أن يُحاك آليًا. فالتراث، كما يذهب بول ريكور، ليس مادةً تُخزَّن، بل ذاكرة تُستعاد واعتراف بالهوية، وهو ما يجعل أي محاولة لاختزاله في خوارزمية محاولة ناقصة من أصلها.
بل إنّ الذكاء الاصطناعي، في سعيه إلى ما يسميه “التحسين”، قد يُدخل تعديلات يراها تطورًا، وما هي بذلك في الحقيقة؛ لأنّ الشكل المألوف إذا زال، زالت معه قيمته الحضارية التي تُذكّر بما سعى إليه الأوّلون. وهنا نستحضر تحذير فالتر بنيامين حين نبّه إلى أنّ إخضاع العمل الفني لمنطق الاستنساخ التقني يفقده هالته، أي تلك الروح الخفية التي تمنحه فرادته وصدقه التاريخي.
وتبقى الخاتمة الشديدة في تسوية ألبسة التراث صعبة للغاية، خاصة إذا كانت من التراث القديم؛ لأنّ توجيه الذكاء الاصطناعي عبر برمجيات قد تكون هدّامة يأخذ بعين الاعتبار التسارع والتحسين الشكلي، مع إهمال البعد الرمزي للألبسة التراثية. فاللباس، كما يراه كلود ليفي-ستروس، نظام علامات لا يقل تعقيدًا عن اللغة، وأي مساس بعناصره دون فهم سياقه الثقافي هو قطع لسلسلة المعنى لا تطوير لها.
وعبر منغّصات التعب العلمي، التي يصبح معها الاعتماد على القواعد وحدها ممكنًا، سنفقد طعم العباءة والقشّابية، وستنفر المرأة من شكل القفطان، كما سيختفي اللباس القديم بمجرد إضافة غريبة على الأشكال والألوان. وهو ما يمكن قراءته، بلغة بيار بورديو، بوصفه عنفًا رمزيًا ناعمًا تُفرض فيه ذائقة جديدة باسم الجمال، بينما يُهمَّش الذوق الشعبي المتجذّر في الذاكرة الجماعية.
وربما لا ينساق الكثيرون وراء اليأس من توظيف الذكاء الاصطناعي في الصناعة التقليدية، غير أنّ خوارزميات الأنساق الجمالية لا تنظر إلا إلى ما يمكن أن تضيفه من جمال نافع إلى حياة الإنسان، لا إلى ما تحمله الذاكرة من دفء وهوية. وقد نبّه جاك إيلول مبكرًا إلى أنّ التقنية حين تنفصل عن الوعي القيمي تتحول من خدمة الإنسان إلى إعادة تشكيله .
يستطيع الذكاء الاصطناعي، بحساسيته الحسابية، أن يُسهم في المحافظة على الذاكرة عبر الآليات الحفظية والبحثية الجيدة، كما تؤكد ذلك تقارير اليونسكو حول صون التراث غير المادي، غير أنّ توظيفه في المحو بحجة التطورية والتقدم والرقي يضعنا أمام مفارقة خطيرة؛ فهذان الأخيران ما ينفكان يتباعدان كلما تعلق الأمر بمحو التراث بوصفه قديمًا لم يعد له استعمال.
فالقديم من التراث الشعبي هو عين الهوية، كما ذهب إلى ذلك عبد الله العروي حين ربط التراث بالوعي التاريخي لا بالحنين الساذج. ومن هنا، يجب أن يسعى استعمالنا للذكاء الاصطناعي إلى المحافظة على هذه الهوية حتى نُوصلها إلى الأجيال العلمية القادمة، كما أوصلها لنا العلماء والرياضيون والفيزيائيون، الذين بلغوا أعلى مراتب التتويج العلمي دون أن يتنكروا لذاكرتهم الثقافية.
فهم لم يستعملوا التقنيات لطمس التراث عبر تغيير معالمه وشكله، بل سخّروها لحمايته عن طريق الحفظ الزمني للوثائق والألبسة. لذلك، يجب أن تكون نظرتنا إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه حارسًا للتراث لا بديلًا عن ذوق الأجداد وروحهم بحجة الحداثة. فالقديم العائلي هو المتجذّر في مظهره البنائي، وحفظه أمانة؛ لأنه، كما قال العلّامة سي عطية مسعودي وبلعبيدي طيب الله ثراهما، لا يُصان إلا إذا قُدّم في صورة يفهمها العامي ويوقّرها الشيخ..







































