رثاء
لم أعد أكتبكَ لأنقذكَ، بل لأنقذ ما تبقّى منّي حين سقطتَ.
أكتبك كما يكتب النّاجون أسماءهم على جدارٍ متصدّع، لا ليتذكّرهم أحد، بل كي لا ينسوا أنفسهم.
أدخل إلى اللغة بحثًا عنك، فأجدها مثلك: منقسمة، مرتجفة، كلُّ كلمةٍ تحمل سكينًا في جيبها وتدّعي البراءة. حتّى الحروف، يا وطني، لم تعد حياديّة؛ الألف صار منبرًا، والباء خندقًا، والتاء توقيعًا على بيانِ دم.
كنتَ فكرةً قبل أن تكون حدودًا، وكان اسمك أوسع من الخرائط، لكنّهم ضيّقوك حتّى صرتَ يتيمًا في نشرات الأخبار، ورقمًا إضافيًا في قائمة الضّحايا، وسؤالًا محرجًا في أفواه أطفالك.
الخيانة لم تبدأ حين باعوك، بل حين أقنعوا بعضهم أنّ دم الآخر أقلّ وطنيّة.
حين صار القاتلُ يرفع صورتك كذريعة، والمقتولُ يسقط من دون أن يُذكر اسمه كاملًا.
هكذا يُقتل الوطن مرّتين: مرةً بالرّصاص، ومرةً بالصّمت الّذي يليه.
أحاول أن أكتبك بصدق، لكنّ المفردات تخونني كما خانك أهلك.
كلّما قلتُ «ألم» صفّقوا له كخطاب، وكلّما قلتُ «وجع» حوّلوه إلى نشيد. حتّى البكاء صار مشتبَهًا به، والحياد جريمة،
والحنين تهمة لا تُغتفر.
وطني، أخاف عليك من الّذين يحبّونك أكثر مما يحتمل اسمك…. أخاف من العشّاق حين يتحوّل الحبّ إلى رخصة قتل، ومن المؤمنين حين يوقّعون باسم السّماء على مجازر أرضك …. أخاف
من الّذين يقولون «نحن» ويحذفون نصفك من الجملة.
لم أعد أطلب لك خلاصًا، فالخلاص كلمة كبيرة ولا مكان لها بين هذا الرّكام. أطلب فقط أن تتوقّف عن النّزيف داخل لغتي، أن تسمح لي أن أذكرك من دون أن أختار طرفًا في موتك، أن أقول «وطني» من غير أن يُطلب منّي أن أحدّد أيّ جثّة أقصد.
هذا ليس رثاءً، ولا بيانًا سياسيًا، ولا اعترافًا متأخّرًا. هذا وجعٌ يكتب نفسه بنفسه، حين يعجز القلب عن الصّمت وتفشل اللّغة في أن تكون وطنًا بديلاً.
جان كبك







































