آيُ مسك الختام في صحب سيّد الأنام ﷺ رضى الله عنهم أجمعين
عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه
لأعطين الراية غدًا رجلًا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، يفتح الله على يديه
نسبه هو الصحابي الجليل عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كِلاب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ابن عمّ النبي ﷺ تلميذ بيت النبوة الذي تربى في حجر المصطفى وكفى انه الامام الفقيه والاديب البليغ والفدائي العظيم والعربي الشهم الكريم وزير الخلفاء ومن سادة الشهداء .
يكنّى عليّ – رضي الله عنه – بأبي الحسن ، وبأبي ترابٍ؛ وهي كُنيةٌ أطلقها عليه النبي ﷺ حينما وجده راقدًا في المسجد وقد أصاب جسده التراب، بعد أن سقط الرداء عنه ، فأخذ النبي ﷺ يمسح التراب عنه ، وهو يردّد : ( قُمْ أبَا تُرَابٍ ، قُمْ أبَا تُرَابٍ ).
وُلد قبل البعثة بعشر سنواتٍ ، وكان أوّل من وُلد في جوف الكعبة من الهاشميين . وهو أوّل فدائي في الإسلام يوم أن نام مكان النبي يوم الهجرة.
أمّه هى السيدة فاطمة بنت أسد بن عبد مناف من بني هاشم ، بنت عمّ أبي طالب ويُقال إنها أول هاشمية ولدت هاشميا ، وقد أسلمت وهاجرت إلى رسول الله ﷺ ، بالمدينة وماتت ودفنها رسول الله ﷺ بنفسه.
عن أنس بن مالك قال : لما ماتت فاطمة بنت أسد أم عليّ دخل عليها رسول الله ﷺ فجلس عند رأسها فقال: رحمك الله يا أمي ، كنت أمي بعد أمي ، تجوعين وتشبعينني وتعرين وتكسينني ، وتمنعين نفسك طيب الطعام وتطعمينني تُريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة . ثم أمر أن تُغسّل ثلاثًا وثلاثًا فلمّا بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله ﷺ بيده ، ثم خلع رسول الله ﷺ قميصه فألبسها إيّاه ، وكفنها ببرد فوقه ، ثم دعا رسول الله ﷺ أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاما فحفروا قبرها فلما بلغوا اللحد حفرة رسول الله ﷺ بيده وأخرج ترابه بيده ، فلمّا فرغ دخل رسول الله فاضطجع فيه ، ثم قال : الله الذي يحي ويميت وهو حيّ لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ، ولقّنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الّذين من قبلي ، فإنك أرحم الراحمين ، وكبر عليها أربعاً ، وأدخلوها اللحد هو ﷺ والعباس وأبو بكر الصديق رضي الله عنهم وأرضاهم .
إسلامه
دخل على النبيّ ﷺ ذات مرّةٍ وهو يُصلّي مع السيّدة خديجة -رضي الله عنها-، فسأله عن ماهيّة تلك العبادة ، فبيّن له أنّها من شعائر الدين الذي اصطفاه الله لعباده ، وأرسل به رسوله ، وعرض عليه الإيمان برسالته ؛ وتوحيد الله ، والتبرُّؤ من الأصنام ، فتردّد عليّ في القبول ، وأراد أن يستشير والده في ذلك ، فكَرِه النبيّ انتشار خبر الدعوة قبل أن يُعلنها بنفسه ، فخيّرعليّا بين الإسلام ، أو كتم الأمر وعدم إعلانه ، فبات عليّ ليلته تلك يُفكّرفي أمر الدعوة حتّى وقع الإيمان في قلبه ، فغدا إلى النبيّ ﷺ طالباً منه أن يُعيد عليه ما دعاه إليه أوّل مرّةٍ، فكرّرعليه النبيّ الشهادتَين ، والتبرُّؤ من اللات والعُزّى ، فأسلم عليّ ونطق الشهادتَين ، وكتمَ إيمانه ؛ خشيةً من أبي طالب. كان إسلام عليّ -رضي الله عنه- حين بلغ من العُمر ثماني سنواتٍ وقولاً آخراً أنّه وُلد قبل البعثة بخمس سنواتٍ . – قال محمد ابن الْحَنَفِيَّة – رحمه الله : قُلْتُ لِأَبِي : أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -؟ قَالَ: ((أَبُو بَكْرٍ)) قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((ثُمَّ عُمَرُ))، وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ عُثْمَان ، قُلْتُ: ثُمَّ انْتَ؟ قَالَ : مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ .
عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: لأعطين الراية غدًا رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، يفتح الله على يديه ، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها ، فقال : أين عليّ بن أبي طالب؟ فقيل: هو يشتكي عينيه. فأرسلوا إليه فأتي به ، فبصق في عينيه ؛ ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه الراية فقال : انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه ، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم .
– أرجى آية عند عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: « قرأتُ القرآن من أوّله إلى آخره فلم أَرَ آية أحسن وأرجى من قوله تعالى: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ الزمر: 53 ]. وعن عليّ -رضي الله عنه- قال: « ما في القرآن أرجى إِلَيَّ من هذه الآية:{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [ النساء: 48 ]. وقال ابن عمر: « كنّا نُطْلِق القول فيمن ارتكب الكبائر بالخلود في النار، حتى نزلتْ هذه الآية ، فتوقفنا .
وعن عليّ – رضي الله عنه- قال: « ألَا أخبركم بأرجى آية في القرآن؟ قالوا: بلى ، فقرأ عليهم { وَمَا َأصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوعَنْ كَثِيرٍ}. الشورى30.
ثم قال : إذا كان يكفِّر عنِّي بالمصائب ، ويعفوعن كثير، فماذا يَبْقَى من ذنوبي بين كفارته وعَفْوِه .
قال عليّ رضي الله عنه “ذلك القرآن فاستنطقوه و لن ينطق ، و لكن أخبركم عنه ” والله ما نزلت آية إلا و قد علمت فيما نزلت ، وأين نزلت ، وعلي من نزلت .
قال ابن عباس “ليس من آية في القرآن فيها : { ياأيها الذين آمنوا } إلا وعليّ رأسها وأميرها و شريفها ، و لقد عاتب الله أصحاب محمد ﷺ في القرآن ، و ما ذكرعليّا إلا بخير. و قال أيضا : “ما نزل في أحد من كتاب الله تعالي ما نزل في عليّ . وقال حذيفة بن اليمان: ” ما نزلت في القرآن {يا أيها الذين آمنوا} إلا كان لعليّ لبها ولبابها . و قال مجاهد: “نزلت في عليّ سبعون آية ، لم يشركه فيها أحد .قال تعالى : ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) ال عمران61]
وأجمع المفسّرون ورواة الحديث أنّ الآية الكريمة نزلت في أهل بيت النبوة (عليهم السلام) وقد عبّرت الآية عن الأبناء بالحسن والحسين سبطي الرحمة وإمامي الهدى وعبّرت عن النساء بزهراء الرسول سيّدة نساء العالمين فاطمة وعن الإمام عليّ بأنفسنا ، نزلت الآية الكريمة في حادثة تاريخيّة بالغة الخطورة جرت بين الرسول ﷺ وزعماء النصارى الروحيّين وموجزها أنّ وفدا من أساقفة وعلماؤ النصارى قدموا على رسول الله ﷺ ليناظروه في الإسلام وبعد حديث دار بينهما اتّفقوا على الابتهال أمام الله تعالى ليحلّ عذابه ولعنته على الكاذبين وعيّنوا وقتا خاصّا للمباهلة ولمّا حان الوقت الموعود بينهم اختار النبيّ ﷺ للمباهلة أفضل الخلق وأكرمهم عند الله تعالى وهم : أبو سبطيه عليّ و بضعته سيّدة نساء العالمين وسبطه الأوّل الإمام الحسن وسيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين (عليهم السلام ) وأقبل بهم النبيّ ﷺ إلى ساحة الابتهال وخرج وفد النصارى ومعهم فرسان بني الحرث على خيولهم في أحسن هيئة واستعداد ولمّا شاهدوا الرسول ﷺ قدّم للمباهلة أهل بيته وهم بهيئة تملأ العيون وتسموا لها الجباه امتلأت نفوسهم رعبا وجثا النبيّ ﷺ على الأرض مع أهل بيته فتقدّموا إليه قائلين : يا أبا القاسم بمن تباهلنا؟ فأجابهم النبيّ ﷺ أباهلكم بخير أهل الأرض وأكرمهم عند الله وأشار إلى أهل بيته .
ـ قال تعالى: ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) الشورى: 23] والمراد بالقربى الذين فرض الله مودّتهم على عباده هم عليّ وفاطمة والحسن والحسين سلام الله عليهم والمراد من اقتراف الحسنة في الآية ـ هي حبهم ومودّتهم وولائهم .
ـ قال ابن عباس : لمّا نزلت هذه الآية قالوا : يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين أوجبت علينا مودّتهم؟ قال ﷺ : ( عليّ وفاطمة وإبناهما ) . فإنه يجب على المسلم أن يحبّ عليا رضي الله عنه وسائر الآل لأنهم من آل النبي ﷺ ، وقد قال الله تعالى: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى. { الشورى: 23 }. وروى الإمام مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم أنه قال: قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب ، وإني تارك فيكم ثقلين ، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به – فحث على كتاب الله ورغب فيه- ثم قال : وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي .
وأخرج الإمام أحمد وغيره عن بريدة قال: غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة فلما قدمت على رسول الله ﷺ ذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه النبي ﷺ ، فقال يا بريدة : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رسول الله ، قال : من كنت مولاه فعلي مولاه.
قال الشافعي رحمه الله تعالى : يا آل بيت رسول الله حبكم * فرض على الناس في القرآن أنزله
يكفيكم من عظيم الفخر أنكم * من لم يصل عليكم لا صلاة له
ـ قال تعالى : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] أجمع المفسّرون والرواة على أنّ الآية المباركة نزلت في الخمسة أصحاب الكساء وهم سيّد الكائنات الرسول ﷺ و أميرالمؤمنين عليّا (عليه السلام) وبضعته الطاهرة سيّدة نساء العالمين التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها وريحانتاه الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ولم يشاركهم أحد من أسرة النبيّ ﷺ ولا من غيرهم من أعلام الصحابة في هذه الفضيلة .
وعن ابن عباس : نزلت آية ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا ): وذلك أن عليّ بن أبي طالب أجر نفسه يسقي نخلا بشيء من شعير ليلة حتى أصبح ، وقبض الشعير وطحن ثلثه ، فجعلوا منه شيئا ليأكلوه ، يقال له : الخزيرة ، فلما تم إنضاجه ، أتى مسكين فأخرجوا إليه الطعام ، ثم عمل الثلث الثاني ، فلما تم إنضاجه أتى يتيم فسأل فأطعموه ، ثم عمل الثلث الباقي ، فلما تم إنضاجه أتى أسيرمن المشركين فأطعموه ، وطووا يومهم ذلك ، فأنزلت فيهم : ( وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا) الإنسان: 12 – 17]
كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في آخِر خلافَتِه ، قَدِ انْتَقَضَتْ عَلَيْهِ الْأُمُورُ، وَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ الْأَحْوَالُ ، وَخَالَفَهُ جَيْشُهُ مَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُ أَهْلِ الشَّامِ وَصَالُوا وَجَالُوا يَمِينًا وَشِمَالًا زَاعِمِينَ أَنَّ الْأَمْرَ لِمُعَاوِيَةَ ؛ بِمُقْتَضَى حُكْمِ الْحَكَمَيْنِ فِي خَلْعِهِمَا عَلِيًّا ، وَتَوْلِيَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لمعاوِيَةَ ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ أَهْلُ الشَّامِ قُوَّةً ، ضَعُفَ جَأْشُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَوَهَنُوا، هَذَا وَأَمِيرُهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ خَيْرُأَهْلِ الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ ، فَهُوَ أَعْبَدُهُمْ وَأَزْهَدُهُمْ ، وَأَعْلَمُهُمْ وَأَخْشَاهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ خَذَلُوهُ وَتَخَلَّوْا عَنْهُ ، وَقَدْ كَانَ يُعْطِيهِمُ الْعَطَاءَ الْكَثِيرَ.
وقدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُه من عُلَمَاءِ التَّارِيخِ وَالسِّيَرِ، أَنَّ ثَلَاثَةً مِنِ الْخَوَارِجِ وَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الْمَعْرُوفُ بِابْنِ مُلْجَمٍ الْحِمْيَرِيُّ ، وَالْبُرَكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ ، اجْتَمَعُوا فَتَذَاكَرُوا قَتْلَ عَلِيٍّ إِخْوَانَهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ ، فَتَرَحَّمُوا عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: مَاذَا نَصْنَعُ بِالْبَقَاءِ بَعْدَهُمْ ؟! كَانُوا مِنْ خَيْرِالنَّاسِ ، وَأَكْثَرَهُمْ صَلَاةً ، وَكَانُوا دُعَاةَ النَّاسِ إِلَى رَبِّهِمْ ، لَا يَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ، فَلَوْ شَرَيْنَا أَنْفُسَنَا فَأَتَيْنَا أَئِمَّةَ الضَّلَالَةِ فَقَتَلْنَاهُمْ ، فَأَرَحْنَا مِنْهُمُ الْبِلَادَ ، وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ثَأْرَ إخواننا. فقال ابن مُلْجَمٍ : أَنَا أَكْفِيكُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَقَالَ الْبُرَكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَا أَكْفِيكُمْ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ: أَنَا أَكْفِيكُمْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فَتَعَاهَدُوا وَتَوَاثَقُوا أَنْ لَا يَنْكِصَ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَنْ صَاحِبِهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ أَوْ يَمُوتَ دُونَهُ ، فَأَخَذُوا أَسْيَافَهُمْ فَسَمُّوهَا ، وَاتَّعَدُوا لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ ، أَنْ يُبَيِّتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ فِي بَلَدِهِ .
فَأَمَّا ابْنُ مُلْجَمٍ فَسَارَ إِلَى الْكُوفَةِ فَدَخَلَهَا ، وَكَتَمَ أَمْرَهُ حَتَّى عَنْ أَصْحَابِهِ مِنَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ هُمْ بِهَا ، ثمّ ضمّ إليه رجُل يُقَالُ لَهُ : وَرْدَانُ لِيَكُونَ مَعَهُ رِدْءًا، وَاسْتَمَالَ رَجُلًا آخَرَ يُقَالُ لَهُ : شَبِيبُ بْنُ بَجَرَةَ الْأَشْجَعِيُّ فَجَاءَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ وَهُمْ مُشْتَمِلُونَ عَلَى سُيُوفِهِمْ ، فَجَلَسُوا مُقَابِلَ السُّدَّةِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا عَلِيّ ، فَلَمَّا خَرَجَ جَعَلَ يُنْهِضُ النَّاسَ مِنَ النَّوْمِ إِلَى الصَّلَاةِ ، وَيَقُولُ : الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ ، فَثَارَإِلَيْهِ شَبِيبٌ بِالسَّيْفِ ، فَضَرَبَهُ فَوَقَعَ ، فَضَرَبَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ بِالسَّيْفِ عَلَى قَرْنِهِ ، فَسَالَ دَمُهُ عَلَى لِحْيَتِهِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَلَمَّا ضَرَبَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ قَالَ : لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ ، لَيْسَ لَكَ يَا عَلِيُّ وَلَا لِأَصْحَابِكَ ، وَجَعَلَ يَتْلُو قَوْلُهُ تَعَالَى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) وَنَادَى عَلِيٌّ : عَلَيْكُمْ بِهِ . وَهَرَبَ وَرْدَانُ ، فَأَدْرَكَهُ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ فَقَتَلَهُ ، وَذَهَبَ شَبِيبٌ فَنَجَا بِنَفْسِهِ ، وَمُسِكَ ابْنُ مُلْجَمٍ ، وصَلَّى جَعْدَةَ بْنَ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبٍ بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، وَحُمِلَ عَلِيٌّ إِلَى مَنْزِلِهِ ، وَحُمِلَ إِلَيْهِ ابْنُ مُلْجَمٍ ، فَأُوقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ مَكْتُوفٌ ، فَقَالَ لَهُ : أَيْ عَدُوَّ اللَّه ، أَلَمْ أُحْسِنْ إِلَيْكَ؟ قَالَ : بَلَى قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ : شَحَذْتُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ، وَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَقْتُلَ بِهِ شَرّ خَلْقِهِ ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ : لَا أُرَاكَ إِلَّا مَقْتُولًا بِهِ ، وَلَا أُرَاكَ إِلَّا مِنْ شَرِّ خَلْقِهِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنْ مِتُّ فَاقْتُلُوهُ ، وَإِنْ عِشْتُ فَأَنَا أَعْلَمُ كَيْفَ أَصْنَعُ بِه . وَلَمَّا احْتُضِرَعَلِيٌّ جَعْلَ يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، لَا يَنْطِقُ بِغَيْرِهَا – وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ آخِرَمَا تَكَلَّمَ بِهِ : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ) .
وأَوْصَى وَلَدَيْهِ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ، وَغَفْرِ الذَّنْب ، وَكَظْمِ الْغَيْظِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَالْحِلْمِ عَنِ الْجَاهِلِ ، وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ ، وَالتَّثَبُّتِ فِي الْأَمْرِ، وَالتَّعَاهُدِ لِلْقُرْآن ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَاجْتِنَابِ الْفَوَاحِشِ ، وَوَصَّاهُمَا بِأَخِيهِمَا مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَوَصَّاهُ بِمَا وَصَّاهُمَا بِهِ ، وَأَنْ يُعَظِّمَهُمَا وَلَا يَقْطَعَ أَمْرًا دُونَهُمَا ، وَكَتَبَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي وَصِيَّتِهِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاه .ُ
سبب النزاع الذي حصل في عهد عَلِيٌّ رضي الله عنه : أنه لما قُتل عثمان رضي الله عنه ظلما ، طالبت طائفة من أصحاب النبي ﷺ ، منهم طلحة والزبير ومعاوية وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم بدم عثمان ، والإسراع بإقامة حد الله عليهم كما أمر الله .
وكان عَلِيٌّ رضي الله عنه يرى تأجيل ذلك حتى يبايعه أهل الشام ويستتب له الأمر، ليتسنى له بعد ذلك التمكن من القبض عليهم ، لأنهم كانوا كثيرين ومن قبائل مختلفة ، وكانت تصلهم الأمداد ، فوقع الخلاف ، وكان مقتل عثمان رضي الله عنه فجيعة للمسلمين ، وخاصة أنصاره .
قال ابن كثير رحمه الله لَمَّا اسْتَقَرَّ أَمْرُ بَيْعَةِ عَلِيٍّ ، دَخَلَ عَلَيْهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرُءُوسُ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَطَلَبُوا مِنْهُ إِقَامَةَ الْحُدُودِ ، وَالْأَخْذَ بِدَمِ عُثْمَانَ ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ مَدَدٌ وَأَعْوَانٌ ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ يَوْمَهُ هَذَا، فَطَلَبَ مِنْهُ الزُّبَيْرُ أَنْ يُوَلِّيَهُ إِمْرَةَ الْكُوفَةِ لِيَأْتِيَهُ بِالْجُنُودِ ، وَطَلَبَ مِنْهُ طَلْحَةُ أَنْ يُوَلِّيَهُ إِمْرَةَ الْبَصْرَةِ لِيَأْتِيَهُ مِنْهَا بِالْجُنُودِ ، لِيَتَقَوَّى بِهِمْ عَلَى شَوْكَةِ هَؤُلَاءِ الْخَوَارِجِ ، وَجَهَلَةِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ لَهُمَا : حَتَّى أَنْظُرَ فِي هَذَا.
وقال ابن حزم رحمه الله : وَأما أَمرمُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ : فلم يقاتله عَلِيٌّ رَضِي الله عَنهُ لامتناعه من بيعَته ، لِأَنَّهُ كَانَ يَسعهُ فِي ذَلِك مَا وسع ابْن عمروَغَيره ، لَكِن قَاتله لامتناعه من إِنْفَاذ أوامره فِي جَمِيع أَرض الشَّام ، وَهُوَ الإِمَام الْوَاجِبَة طَاعَته ، وَلم يُنكر مُعَاوِيَة قطّ فضل عَليّ واستحقاقه الْخلَافَة ، لَكِنه رأى تَقْدِيم أَخذ القصاص من قتلة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ على الْبيعَة ، وَرَأى نَفسه أَحَق بِطَلَب دم عُثْمَان.
انتقل عليّ رضي الله عنه من المدينة إلى الكوفة ، لعدة أسباب ، منها أن المدينة لم تعد تمتلك المقومات التي تملكها بعض الأمصار، ولئلا تدخلها الفتن بعدما انتشرت في زمن عثمان رضي الله عنه ، فقد يكون رأى الخروج من المدينة النبوية ، لئلا تكون موطنا للخلاف والشقاق . فتوجه إلى الكوفة ليكون قريبا من أهل الشام الذين شقوا عصا الطاعة .
قال د. الصلابي : كانت المدينة المنورة طيلة عهد رسول الله ﷺ وخلفائه الثلاثة من بعده عاصمة الدولة الإسلامية ، ويقيم فيها الخليفة ، ويتولى شئونها بنفسه ، و في حالة السفر فإنه ينيب عليها من يتولى شئونها ، وقد اختلف الوضع بعد مبايعة عَلِيٌّ رضي الله عنه بالخلافة ، إذ دعته الحالة العامة والارتباك الذي حدث بعد مقتل عثمان ، إلى مغادرة المدينة المنورة ، خصوصًا بعد خروج طلحة والزبيروأمنا عائشة باتجاه إلى البصرة ، قبل موقعة الجمل .
و لم يكن الصحابة – رضي الله عنهم – يؤيدون خروج أمير المؤمنين عَلِيٌّ من المدينة ، فلما علم أبوأيوب الأنصاري – رضي الله عنه – قال : يا أمير المؤمنين ، أقم بهذه البلاد لأنها الدرع الحصينة ، ومُهَاجَرة رسول الله ﷺ وبها قبره ومنبره ، ومادة الإسلام ، فإن استقامت لك العرب ، كنت كمن كان ، وإن تشغب عليك قوم ، رميتهم بأعدائهم ، وإن ألجئت إلي السيرسرت وقد أعذرت . فعزم المقامة بالمدينة، وبعث العمال على الأمصار ولكن حدث كثير من المستجدات السياسية ، التي أرغمت الخليفة على مغادرة المدينة . ومن حديث أنس قال رسول الله ﷺ لابنته الزهراء ” قد زوجتك أعظمهم حلما ، وأقدمهم سلما ، وأكثرهم علما “.
وروى الإمام مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم أنه قال: قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب ، وإني تارك فيكم ثقلين ، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به – فحث على كتاب الله ورغب فيه- ثم قال : وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي .
عن أبي الطفيل قال : جمع عَلِيٌّ الناس في الرحبة ، ثم قال لهم : أنشد الله كل امرئ سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم ما سمع ، فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذه بيده رسول الله ﷺ فقال للناس : ” أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ” قالوا : نعم يا رسول الله . قال : ” من كنت مولاه فهذا مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه “. وجاء في معجم الطبراني الكبير مرفوعا أن الجنة تشتاق إلى أربعة علي بن أبي طالب ، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي ، والمقداد بن الأسود رضي الله عنهم اجمعين
قال له رسول الله ﷺ ( يوم استخلفه على المدينة وغضب عَلِيٌّ رضي الله عنه ) أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غيرأنه لا نبي بعدي 0
قال عَلِيٌّ عن نفسه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مُحَمَدٌ النَّبيُّ أَخي وَصِهري وَحَمزَةُ سَيِّدِ الشُهداءِ عَمّي
وَجَعفَرٌ الَّذي يُضحي وَيُمسي يَطيرُ مَعَ المَلائِكَةِ اِبنَ أُمّي
وَبِنتُ مُحَمَّدٍ سَكَني وَزوجي منوط لَحمُها بِدَمي وَلَحمي
وَسبطا أَحمَدٌ وَلَداي مِنها فأيكم لَهُ سَهمٌ كَسَهمي
كان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذا جنّ عليه الليل دخل محرابه يقبض على لحيته قائلا يا دنيا غري غيرى فعمرك قصير وخطبك يسير ونعيمك حقير لقد طلقتك طلاقا بائنا لا رجعة فيه
محاورة ابن عباس مع الخوارج
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: اجتمع الخوارج وهم ستة آلاف وأجمعوا أن يخرجوا على عَلِيٌّ بن أبي طالب وأصحاب النبي ﷺ معه . فلما كان ذات يوم قلت لعلي : يا أمير المؤمنين : أبرد عن الصلاة فلا تفـتـني حتّى آتي القوم فأكلمهم ، قال : إني أتخوفهم عليك. قلت : كلا إن شاء الله تعالى وكنت حسن الخلق لا أوذي أحدًا. قال : فلبست أحسن ما أقدر عليه من هذه اليمانية وكان ابن عباس جميلاً جهيرًا. قال : ثم دخلت عليهم وهم قائلون في الظهيرة . قال : فدخلت على قوم لم أر قط أشد اجتهادًا منهم قالوا: فما جاء بك؟ قال: جئت أحدثكم عن أصحاب رسول الله ﷺ ومن عند صهر رسول الله ﷺ عليهم نزل الوحي ، وهم أعلم بتأويله . قال: قلت أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله ﷺ وختنِه ، وأول من آمن به ، وأصحاب رسول الله معه؟ قالوا: ننقم عليه ثلاثاً. قال: وما هنّ؟ قالوا: أولهن أنه حكّم الرجال في دين الله، وقد قال الله: (إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ) ، فما شأن الرجال والحكم بعد قول الله عز وجل. قال: قلت وماذا؟ قالوا: وقاتل ولم يَسْبِ ولم يغنم، لئن كانوا كفارًا لقد حلت له أموالهم ولئن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم . قال: قلت وماذا؟ قالوا: محا نفسه من أمير المؤمنين . فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين . قال: قلت أعندكم سوى هذا؟ قالوا: حسبنا هذا. قال: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله ، وحدثتكم من سنة نبيه ﷺ ما لا تنكرون أترجعون؟ قالوا: نعم .
قال: قلت أما قولكم : حكّم الرجال في دين الله ، فإن الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) ، إلى قوله: ( يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ ). وقال في المرأة وزوجها: ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا ). أنشدكم الله أحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم ، وإصلاح ذات بينهم أحق أم في أرنب ثمنها ربع درهم ، وفي بضع امرأة. و لوشاء الله لحكم ولم يصيرذلك إلى الرجال . قالوا : اللهم في حقن دمائهم ، وإصلاح ذات بينهم . قال: أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم . قال : وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم ، أتسبون أمكم عائشة ، أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها ، إن زعمتم فقد كفرتم ، وإن زعمتم أنها ليست أم المؤمنين فقد كفرتم ، وخرجتم من الإسلام ، إن الله يقول: ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) ، فأنتم مترددون بين ضلالتين فاختاروا أيهما شئتم .أخرجت من هذه؟ فقالوا: اللهم نعم . قال : وأما قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين ، فأنا آتيكم بما ترضون ، فإن رسول الله ﷺ دعا قريشًا يوم الحديبية أن يكتب بينه وبينهم كتابًا فكاتب سهيل بن عمرو وأبا سفيان ، فقال : اكتب يا عَلِيٌّ هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ، فقالوا: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ، ولا قاتلناك ، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال: والله إني لرسول الله حقًا وإن كذبتموني ، اكتب يا عَلِيٌّ : محمد بن عبد الله ، فرسول الله ﷺ كان أفضل من عَلِيٌّ – رضي الله عنه- وما أخرجه من النبوة حين محا نفسه . أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم . فرجع منهم ألفان ، وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا على ضلالة.
قال أمير المؤمنين علي عليه السلام عِنْدَ دَفْنِ النَّبِيِّ ﷺ “إِنَّ الصَّبْرَ لَجَمِيلٌ إِلَّا عَنْكَ ، وَ إِنَّ الْجَزَعَ لَقَبِيحٌ إِلَّا عَلَيْكَ ، وَ إِنَّ الْمُصَابَ بِي عَلَيْكَ لَجَلِيلٌ ، وَ إِنَّهُ قَبْلَكَ وَ بَعْدَكَ لَجَلَلٌ”
وصية عَلِيٌّ رضي الله عنه
بسم الله الرحمن الرحيم! هذا ما أوصى به عَلِيٌّ بن أبي طالب أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. أوصيك يا حسن وجميع ولدي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ربكم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا فإنّي سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: « إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام » انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوا ليهوِّن الله عليكم الحساب ، الله الله في الأيتام فلا تعفوأفواهم ولا يضيعن بحضرتكم ، والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم ، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم. والله الله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم ، والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم ، والله الله في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم فإنه إن ترك لم تناظروا، والله الله في شهر رمضان فإن صيامه جنة من النار. والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ، والله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب ، والله الله في ذمة نبيكم لا تظلمن بين ظهرانيكم . والله الله في أصحاب نبيكم فإن رسول الله أوصى بهم ، والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معاشكم ، والله الله فيما ملكت أيمانكم فإن آخرما تكلم به رسول الله أن قال: « أوصيكم بالضعيفين نسائكم وما ملكت أيمانكم . الصلاة الصلاة لا تخافن في الله لومة لائم يكفكم من أرادكم وبغى عليكم ، وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله . ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولي الأمر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم ، وعليكم بالتواصل والتباذل ، وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق ، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الآثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب. حفظكم الله أهل بيت نبيكم ، أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله . ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض في شهر رمضان سنة أربعين هجرية. وقد غسله ابناه الحسن والحسين ، وعبد الله بن جعفر، وصلى عليه الحسن فكبرعليه تسع تكبيرات . رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين .
جمعه ونقحه الفقير إلى مولاه
أبو الندي
محمود فوزي الموجي







































