المرأة الشرقية بين بركان القهر وجدلية التاريخ
مقالة حوارية نقدية
بقلم عدنان مهدي الطائي
ليست المرأة الشرقية كائناً هامشياً في بنية المجتمع، بل هي قلبه النابض وذاكرته الأخلاقية والوجدانية. غير أن هذا القلب يعيش اليوم تحت ضغطٍ متراكم، يشبه بركاناً خامداً تتجمع في جوفه الحمم، تنتظر لحظة الانفجار. بين خطابٍ عاطفيٍّ يصف الوجع اليومي للنساء، وخطابٍ فكريٍّ يحلل جذور العلاقة الجدلية بين المجتمعين الذكوري والأنثوي، تتشكل أمامنا صورة مركبة لواقع لا يمكن إنكاره ولا تبسيطه.
أولاً: بركان الداخل – المرأة تحت ضغط الواقع المعاش
في التجربة اليومية، تبدو المرأة الشرقية محاصَرة بسلسلة من الأدوار المتراكبة: أمّ، زوجة، عاملة، مربية، ومعيلة أحياناً. تُطالب بالعطاء الدائم، بينما تُقيَّد بحقوق منقوصة تُبرَّر بالدين حيناً وبالعرف حيناً آخر. تُلام إن عبّرت، وتُدان إن صمتت، وتُتَّهم بالعصيان إن طالبت بحقها الإنساني البسيط. هذا الضغط المستمر لا يُنتج امرأة هادئة مطمئنة، بل يخلق حالة احتقان نفسي واجتماعي. وعندما لا تجد هذه المرأة فضاءً عادلاً للتعبير، يتحول القهر إلى غضب صامت، والغضب إلى رفض، ثم إلى قطيعة مع مفاهيم الزواج والأسرة كما عُرِفت تقليدياً. هنا لا يكون التمرد ترفاً فكرياً، بل ردّ فعلٍ غريزيٍّ على شعور عميق بالظلم والاستلاب. غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في صرخة المرأة، بل في تجاهل أسبابها. فالمجتمع الذي يدفن رأسه في رمال الإنكار، سيفاجَأ بانفجار لا يرحم أحداً.
ثانياً: الجذور العميقة – قراءة تاريخية وجدلية للعلاقة بين الرجل والمرأة
إذا انتقلنا من مستوى التجربة الفردية إلى مستوى التحليل التاريخي، سنكتشف أن الفارق بين الرجل والمرأة لم يكن دائماً قمعياً. تشير دراسات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا إلى وجود مجتمعات أمومية سابقة، لعبت فيها المرأة دوراً مركزياً في القرار والتنظيم الاجتماعي. غير أن التحولات الاقتصادية، وظهور الحروب، وتراكم فائض القوة الجسدية لدى الرجل، أسست تدريجياً لمجتمعات ذكورية احتكرت السلطة والاقتصاد والقانون. هنا تحوّل الاختلاف البيولوجي الطبيعي إلى تفوقٍ سلطوي، وتحوّل الدور الاجتماعي إلى أداة هيمنة. ومع الزمن، صيغت القوانين والأعراف والأخلاقيات بما يخدم هذا التفوق، حتى بات يُنظر إلى المرأة ككائن ناقص، تابع، أو مُلك خاص، وهي نظرة دعمتها بعض التأويلات الدينية والفلسفية عبر التاريخ. إن المشكلة، إذاً، ليست في الاختلاف بين الجنسين، بل في تحويل هذا الاختلاف إلى تراتبية قمعية. وكما يشير جان روستان، فالفارق الحقيقي ليس بيولوجياً بقدر ما هو سوسيولوجي؛ أي نتاج تنظيم اجتماعي قابل للتغيير لا قدراً أبدياً.
ثالثاً: بين النرجسية والإنكار – تشوه الوعي عند الطرفين
في ظل المجتمع الذكوري، تنشأ المرأة غالباً وهي تشعر بالنقص، لا لخللٍ فيها، بل لحرمانها من الاعتراف الاجتماعي بكيانها المستقل. هذا الحرمان قد يتحول إلى نرجسية دفاعية أو عدائية كامنة. وفي المقابل، ينمو الرجل على شعور بالزهو والتفوق، بوصفه الفاعل الوحيد في المجال العام. هذه الثنائية المرضية لا تُنتج شراكة إنسانية، بل صراعاً صامتاً. وعندما لا يُعاد تعريف العلاقة بوصفها تكاملاً في الأدوار لا تفاضلاً في القيمة، يتحول المجتمع إلى ساحة هدر للطاقة الإنسانية، ذكورية كانت أم أنثوية.
رابعاً: الإسلام والمرأة – بين القيم والتشويه الاجتماعي
من المفارقة المؤلمة أن تُنتهك المرأة باسم دينٍ جاء ليكرمها. فالإسلام، في جوهره، رفع مكانة المرأة واعتبرها شريكة في الاستخلاف الإنساني. غير أن الممارسات الاجتماعية اللاحقة، وتأويلات السلطة الذكورية، شوَّهت هذا الجوهر، وحوّلت القوامة إلى تسلط، والطاعة إلى إلغاء، والأسرة إلى ساحة صراع. إن الدفاع الحقيقي عن القيم لا يكون بإدامة الظلم، بل بتصحيح الخلل التاريخي، وردّ الاعتبار للمرأة كإنسان كامل الأهلية، لا كرمز شرف أو أداة إنجاب.
خامساً: نحو أفق جديد – من الصراع إلى التكامل
إن الخروج من هذا المأزق لا يكون بثورة عمياء تهدم كل شيء، ولا بتشبث أعمى بتقاليد فقدت إنسانيتها، بل بإعادة بناء الوعي من الأساس:
• تربية متساوية تزرع الأخوّة لا التنافس المرضي.
• فصل واضح بين الدين كقيمة أخلاقية، والعرف كمنتج تاريخي قابل للنقد.
• إعادة تعريف القوامة بوصفها مسؤولية أخلاقية لا امتيازاً سلطوياً.
عندها فقط، يمكن أن يتحول الاختلاف بين الرجل والمرأة إلى طاقة تكامل تدفع المسيرة الإنسانية إلى الأمام، بدل أن تكون سبباً في الانقسام والانهيار.
خاتمة
إن المرأة الشرقية اليوم تقف على مفترق طرق: إما أن تُنصَف وتُستعاد إنسانيتها، أو يُترك البركان لينفجر، فتكون الخسارة جماعية. فالمرأة ليست “الوجه الآخر” للمجتمع فحسب، بل مرآته الصادقة؛ إن صَلُحت صلح، وإن انكسرت انكسر معها الجميع.







































