سلسلة الادب والذكاء الاصطناعي.
المقالة الأولى
اد. حمام محمد.
الجزائر
القصيدة الآلية بين المضمون العجائبي والوجدان الإنساني
حين تجلس أمام الحاسوب، وتسمع إلى صوتٍ آليٍّ يعرض عليك قصيدةً بتناوب فنيات إلقاء منفردة، في العجب والعجائبية، متناسقة نحويًا وبلاغيًا؛ فهل أنت تسمع فعلًا لشاعر، أو كاتب، أو مؤلف؟
إن أول ما يتبادر إلى الذهن هو التقدم التكنولوجي الحاد في مجال الصوتيات والكتابة والتفكير. وقد تنقاد إلى أكثر من ذلك، إذ باستعمال خوارزميات دقيقة تستطيع أن تقول شعرًا، حتى وإن قمت بإعطاء كلمات غير متناسقة، وليس لها علاقة ترابطية في عالم الأدب، وتطلب منه أن يهيئ لك قصيدة، فيهيئ لك المئات في ثانية أو ثانيتين، مع تقديمه لك الأعذارات الأدبية.
إن هذا الوضع، كما يتحدث عنه النفسانيون، مُجمِّدٌ لآلية التفكير في حد ذاتها، وليس مُطلعًا لإنسان مبتدئ في تذوق أو فهم الشعر، بالمعنى الحرفي. فهل نعتبر الذكاء الاصطناعي، أو صاحب القصيدة المسموعة والمبهرة، كاتبًا أو شاعرًا؟ وأين تكمن أوجه المقارنة مع شاكر السياب أو محمود درويش، عندما كانت القصيدة تخرج معصورةً من عمق حفرها في القلب، مع استقراء كل العلائق التي تُدمي الفؤاد أدبًا وتألّقًا؟هذه هي المشكلة، مبسطة.
قد يسمح لنا الذكاء الاصطناعي بالتعاطي التام مع كل مخبوءاته من الألفاظ والصيغ، في شقها الشبيه بالإبداع، الذي يتولد عن الفهم العادي للمبدع، حتى يظنّ، عندما يتلقف القصيدة المكتوبة بدلًا عنه، أنه هو من صاغها، وخاصة باللغات الأجنبية. ومهما طال الأمر والأمد معًا، سيعي أن إمكانيات المبدع الآلي أبسط مما ألف الناس، أي القراء، على القراءة له.
وبالطول أيضًا سيكتشف المثقفون الجدد بأنك مستثنى من الإبداع في كل الطرق. فالكاتب هو من يجمع أفكار موضوعه في ظروف تستدعي توفره وتواجده، وليس أن يحصد مرة واحدة في كل وقت. فلن تكتب، أيها المبدع، إن سلمت نفسك للآلة، إلا مفاهيم أولية، مآلها الكشف في أول محاولة لناقد إلكتروني، وظيفته تتبع الصياغة التحريرية الإبداعية.
وقد يؤسس لها مستقبلًا معجميات بفعل مساعدة الذكاء الاصطناعي، ويقدمها دون وعيٍ منه أنه يهدم ليحكم الإنسان المبدع على غبائه، إن صدّق أن فوق القوة الإبداعية للإنسان قوة أخرى. وهو في الأصل لا يمكن مناقشة مصدر الإبداع بالنسبة للذكاء الاصطناعي إلا في شقه التكنولوجي، الذي يبقى قدرةً إبداعيةً للإنسان الأول، الذي عاش حضارة تقليد الصوت الحيواني، أو فهم منطق الطير، الذي عُلِّم به سيدنا سليمان حصريًا دون غيره.
فكيف للذكاء الاصطناعي أن يبدع في كل شيء، إلا إذا كان غير مبرمج، يصرّح لك أنه لم يُبرمج على ذلك؟ فمهما كانت نوعية القصيدة أو اللون الأدبي الذي يكتبه الذكاء الاصطناعي، تبقى تنقصه العاطفة الإنسانية العميقة، لا السطحية. وهذه يعيشها الكائن، وإن حاول أن ينقلها ضمن منظومة التعبير الشفوي، لن يستطيع، لأنها تخرج من عالم جدّ صعب، تحفه ذاكرة بملايين الصور الذهنية، التي يقرؤها العقل في أقل من سرعة استجابة الذكاء الاصطناعي؛ لأنها صُنعت من لدن خبير، وقدير، ومفصِّل، ومقدِّر، له الجلال.
ومع ذلك، يظل ككتابٍ طبيعيٍّ أو ورقيٍّ مفتوح، لتزويد البشر المبدعين بالمفردات التي غابت في باطنهم غير المدرك، لا من قبل الذكاء الصناعي، ولا حتى الإنسان نفسه، إلا إذا قُدِّر له ذلك خيريًا. وإن كان غير ذلك، فهو من إبداعه، الذي يبقى في الأول والأخير إبداعًا أفضل من إبداع الذكاء الصناعي.







































