“سومر.. أبجديةُ الطين وشهقةُ الوجود الأولى”
الجزء الأول :
بقلم : رامي السراج
بين طيات الرمال التي أذابتها شمس العراق، وتحت عباءة “ما بين النهرين” التي طرزها دجلة والفرات بخيوط الفضة، انبعثت قبل آلاف السنين ومضةٌ لم تكن مجرد حضارة، بل كانت “شهقة الوجود الأولى”؛ إنها بلاد سومر، حيث تعلم الطينُ النطق، وارتجف القصبُ طرباً لخطوات الآلهة.
تراتيل الطين: حين استيقظ الفجر في “أور”
لم تكن سومر مجرد بقعة جغرافية، بل كانت “رحم الزمان” الذي انفتق عن أول أبجدية. هناك، في مدن مثل أور ووركاء ولجش، لم يكن السومري يحرث الأرض فحسب، بل كان يحرث الأبدية. بمسامير من معدن وقلق، حفر السومري على ألواح الطين قصيدته الكبرى، فكانت المسمارية هي الجسر الذي عبرت عليه الذاكرة البشرية من عتمة النسيان إلى ضياء التدوين.
لقد صاغوا من الطين “زقوراتٍ” شامخة، لم تكن مجرد معابد، بل كانت أصابع من آجرٍّ تشير إلى السماء، وتستنطق النجوم في ليل الرافدين الطويل. هناك، حيث يمتزج صرير البوابات الخشبية بترانيم الكهنة، وُلد القانون، ووُلدت التجارة، ووُلدت الرغبة العارمة في ترويض الفوضى وتحويلها إلى نظام كوني بديع.
ملحمة الروح: من “جلجامش” إلى خلود الرماد
في زوايا تلك الحضارة، انطلقت صرخة جلجامش المدوية، وهي تبحث عن سر الخلود. تلك الصرخة لم تكن تخص ملكاً سومرياً فحسب، بل كانت نشيد الإنسانية المحموم ضد الفناء. في “أدب الحكمة” السومري، نجد فلسفةً سبقت فلاسفة اليونان بقرون؛ نجد تأملاً في الموت، واحتفاءً بالحياة، ورصداً دقيقاً لحركة الكواكب التي اعتقدوا أنها “لوحة القدر” التي تخطها يد الآلهة “آنو” و”إنليل”.
لقد وهبتنا سومر العجلة لتطوي المسافات، والمحراث لنستنبت الحياة، والساعة لنمزق بها رداء الزمن المجهول. إنهم الأوائل الذين علموا العالم أن القوة ليست في السيف وحده، بل في “الكلمة” التي تبقى حين تذرو الرياح العظام.
غروب الشمس الفضية
ورغم أن غبار الزمن قد غطى تلك المدن العظيمة، إلا أن صدى ناي الراعي السومري لا يزال يتردد في أهوار الجنوب. إن سومر لم تمت؛ إنها تعيش في كل حرف نكتبه، وفي كل قانون نحتكم إليه، وفي كل نجمة نرقبها في جوف الليل. إنها “الحضارة الأم” التي أرضعت البشرية لبن المعرفة، وتركت لنا وصيةً أبدية محفورةً في قلب الصخر: “بأن الإنسان فانٍ، لكن أثره هو وجهه الآخر للخلود”.







































