سلسلة مقالات نقدية
المقال العاشر
الناقد أ.د حمام محمد
جامعة الجلفة
.الجزائر
“الحشرجة والحنين: مأساة الفقد واستدعاء الذكرى في الشعر العربي المعاصر” قصيدة حين يحشرج اليوم الأخير للشاعرة / بلعابي كوثر
هزّتني تشنجات فيزيائية وأنا أُطالع الإبداع العربي، حتى توقفت عند قصيدة قصيرة،بجريدة الرواد المصرية.. بان فيها الوجع كأنه تمثال الحرية في جماليته المتعالية، وواقِفًا وحده عاليًا، كمن يستعد للحظة سقوط، ولو أنه سقط لجعل مكانه تحفة تتسارع فيزيائيًا نحو الأعلى. هذا الضجيج الذي يحيط بثمانية أبيات، لا يراه من ينظر إليها دافئًا أو نَفخًا غيّاطًا، بل يرتوي من فحيح الشوق إلى الآخر، في عالم الهجر أو المسافات البعيدة.
العنوان المقفى بـ”يحشرج” يوحي، بمعناه الانسيابي، إلى حالة موت محتملة أو حدثت أو ربما لا تحدث، واقتراف الجرم تخيليًا، الذي يسوق المتلقي إلى متاهات حكاية إنسان أعيته الكمدة وصُبّ فوق رأسه تعاسة الحياة، والوجع كله يتجسد حين تشمل الحشرجة يومه الأخير.حين يُحشرج اليوم الأخيرُ وتساقط أوراقُ السّنين عن أحصارِ نملةٍ رماها القدرُ في أعلى منحدرٍ تقذف المياهُ من حولهاقشّاشُ اليخضورِ تتمعّنُ في لحظاتٍ كلها هبوطٌ إلى الهاوية تتعلّق بقشٍّ أخضرَ تراهُ من بقايا الحياة لكنّ الحشرجة كانت أقوى لأنها منحت الثبات أثناء فعل الصدم/ هنا، توضح القصيدة مأساة داخلية يعيشها الكاتب/الشاعرة من داخل دواخله، ويخرج ما بداخلها كما يريد، كصيدٍ يومي يحمل رأس تمثال صغير من الغضب المترامي، تهزه أمواج بحر إيجة كأنها لعنة.،كما يقول سيغموند فرويد: «الفن يُجسد الأوجاع النفسية التي لا تستطيع اللغة التعبير عنها»، وهذا يتجلّى في الحشرجة الصوتية كفعل جسدي يعكس الصدمة العميقة والموات الداخلي.
• المعجزة الشعورية للحنين
يمكن التوقف عند قول الشاعرة بلعايب كوثر:
الزمن وهو يَحتضر
حين يُحشرج اليوم الأخير
وتسّاقط أوراقُ السنين
عن أحصار نملةٍ رماها القدر في أعلى منحدر تقذف المياه من حولها الحنين هنا يشبه المعجزة، إذ لم يحدث الموات فعليًا، لكن الشاعر تخيّل المشهد واستلّ من مخرج الرومانسية آخر أنفاس الروح المتباعدة عن الجسد،تحت الجماد المدبب بفتيلة الصقيع.الحنين المتراكم اللفظي يذوب في صقيع الموات والتجمد، ويخلق حالة من التهيّج العاطفي، سواء كان لاحتضان الكريات الداخلية أو لرد فعل المفاجأة النفسية قال أرسطو في فن الشعر: «القصيدة تعكس ما في النفس من أهوال وأفراح بطريقة تتيح للمشاعر الانبعاث من جديد»، وهذا يتضح في قدرة الحنين على إعادة الحياة إلى الذكريات الميتة.
• استدعاء الذكرى كفنّ للعيش
القصيدة تُحضر الذكرى، وهي سر الحياة، خاصة الذكريات السعيدة التي تحرّك الشفاه في حالة الترهل. فالشاعرة تستدعي الكائنات واللحظات القريبة، ليحيي دقائقها وهو يغمض عينيه يتحسّس حرارة المفقود، موقِعًا الصدمة الثانية التي تؤزّ المشاعر من العمق
يا دارَنا في ربوع الحب أذكُرينا
أذكري أجملَ أوقاتنا
معهم بين الأسى والأنين
إنّ على جدرانك آثار كفوفنا
وضع أنفاسٍ دافئة يُحرِقنا
شوقًا إليها هذا الفراق اللعين
حكاية استلال الحي من حياة من رافقوها، أو ما يسميه الشعراء “الفقد”، هي ترسانة كريات متناغمة ومتواترة، تتخللها تشويشات مثل ما يحدث عند ارتطام الموجات. فالدار هنا منبع العيش وملتقى الأحبة، ومع ذلك يبقى التذكر للجميل أو المبكي، لأنه لن يتجدد ويضمر رويدًا رويدًا حتى ينهيه الأجل، فيعود كورقة فقدت هويتها بعد سنوات.
كما يقول إميل دوركهايم: «الذكريات هي البناء الاجتماعي للروح الإنسانية»، وهذا يتجلى في القصيدة التي تحوّل الفقد إلى لوحة متعددة الألوان، بين الحزن والحنين، رغم اختصار الكلمات، مما يجعلها أقرب إلى رواية من الأسى والحزن.







































