صباح عوض ( أمُّ جِنانٍ ) حينَ تحوكُ الإبرةُ ثوبَ الصّبرِ ..
بقلمٍ : سلمى صوفاناتي
في عينيها يتلألأُ ماضٍ حافلٌ بالجروحِ، وحاضرٌ مُحمَّلٌ بالأملِ، ومستقبلٌ تُطرِّزُهُ إبرةٌ لا تعرفُ الكللَ. ليستْ خياطةً فحسبُ، بل شاعرةٌ تكتبُ بالخيطِ على قماشِ الحياةِ، وفنانةٌ ترسمُ بالألوانِ على ظلامِ الخيامِ.
_ البداية: نشيدُ الإبرةِ والخيطِ ..
في غرفةٍ متواضعةٍ، تتناثرُ فيها ألوانُ القماشِ كزهرِ الرّبيعِ، وتتدلّى بكراتُ الخيطِ كعقودِ اللّؤلؤِ، جلستْ صباحٌ. تحدّثكَ عيناها قبلَ شفتيها: عينانِ تخبّئانِ بحراً من الصًبرِ، وتشرقانِ بشمسٍ لا تغيبُ. تقولُ وكأنّها تهمسُ بأذنِ الزّمنِ:
“منذُ الخامسةَ عشرةَ من عمري، وأنا أعلمُ أنّ الإبرةَ ستكونُ رفيقةَ دربي. لم أكنْ أمسكها لكسبِ العيشِ فقط، بل لأنسجَ بها كرامتي، وأحوكُ بها هويّتي. كانتْ خيوطي هي الحروفُ الّتي كتبتُ بها سطورَ حياتي.”
_ في الرّقةِ: حكايةُ قلبٍ وخيطٍ ..
انتقلتْ إلى الرّقّةِ كغصنِ زيتونٍ ناعم، لكنّها لم تنكسرْ. تزوّجتْ صغيرةً، وأنجبتْ، لكنّ حلمَ الخياطةِ ظلّ يعيشُ في قلبها. تقولُ بصوتٍ نديٍّ كندى الفجرِ:
“كنتُ أخيطُ للعرائسِ ثوبَ الفرحِ، وألبسُ النّساءَ ألوانَ البهجةِ. لم أكنْ أخيطُ الثّيابَ فقط، بل أخيطُ الثّقةَ في النّفوسِ، والأملَ في القلوبِ. كنتُ أعيشُ مع كلّ قطعةٍ قصّةً، ومع كلّ عروسٍ أحلاماً.”
_ في المخيّمِ: الإبرةُ سيفٌ في وجهِ العاصفةِ ..
ثمّ جاءتِ الحربُ كالوحشِ الضّاري، فحطّمتْ كلَّ شيءٍ. تقولُ صباحٌ وكأنّها تستعيدُ ذكرى جرحٍ لم يندملْ:
“وجدتُ نفسي في خيمةٍ تهزّها الرّياحُ، بلا كهرباءٍ، بلا ماكينةٍ، بلا شيءٍ سوى إبرةٍ في يدي، وإرادةٍ في قلبي. كنتُ أخيطُ على ضوءِ الشّمعةِ، وأكوي القماشَ بين المخداتِ. أطفالي حولي يراقبون يدي الصّغيرة تُخرِجُ من القطعِ الباليةِ ثياباً جديدةً، وكأنّها تُخرجُ من اليأسِ أملاً.”
_ وتضيفُ بنبرةٍ تفيضُ دفئاً وإنسانيّةً:
“نساءُ المخيمِ كنّ يأتينني، لا ليخِطنَ فقط، بل ليتشاركنَ الحكاياتِ والدّموعَ والضّحكاتِ. كنّ يجدنَ في غرزاتي بعضاً من دفءٍ مفقودٍ، وأملاً منهوكاً. كنّا نخلقُ من الخيوطِ مجتمعاً صغيراً، نتعاضدُ فيه، ونحتضنُ بعضنا.”
_ العودة: من بين الرّمادِ، ينهضُ الوطنُ الصّغيرُ ..
وحين عادتْ إلى منزلها، وجدتْهُ قد سُلبَ من كلِّ شيءٍ. حتّى الماكينةُ الّتي كانتْ تعتزُّ بها، لم تعدْ هناك. لكنّها لم تستسلمْ. تقولُ بثباتٍ يُذكّرُ بالجبلِ:
“ابتدأنا من الصّفرِ، لأنّ الإرادةَ لا تعرفُ سقفاً، والصبرُ لا يعرفُ نهايةً. اشتريتُ ماكينةً جديدةً، وعدتُ لأخيطَ ليس الثّيابَ فقط، بل كرامتي من جديدٍ.”
_ الرّسالة: المهنةُ تُبنى بها الحياةُ، والخيطُ قد يصيرُ حبلاً للنّجاةِ
وفي ختامِ حديثها، توجّه كلماتها كالنّدى للفتياتِ والشّابّاتِ:
“لتَكنْ لكم حرفةٌ تشبكونَ بها حياتكم. فالشّهادةُ قد تُسرقُ، والمالُ قد يضيعُ، لكنّ المهارةُ الّتي في يديكِ هي كنزُكِ الحقيقيُّ. هي الّتي تبقيكِ قويّةً حتّى في أحلكِ اللّحظاتِ. لا تستصغِرونَ أيَّ عملٍ، فربما تكونُ الإبرةُ الصّغيرةُ هي الّتي ستحميكمُ في عالمكم من جديدٍ.”
_ خاتمة: أمُّ جنانٍ.. نسيجٌ من نورٍ ..
هي ليست امرأةً عاديّةً.. هي قصيدةُ صبرٍ تُكتبُ بخيطٍ وإبرةٍ. هي مثالٌ يثبتُ أنّ الحياةَ لا تُقاسُ بالسّنين، بل بالغرزاتِ الّتي تتركها في قلوبِ الآخرين. في يديها، يصيرُ الخيطُ أبوابَ أملٍ، والإبرةُ مفتاحَ حياةٍ.
تعلّمنا أمُّ جنانٍ أنّ النّورَ يمكنُ أن يولدَ من داخلِ الظّلامِ، وأنّ الألمَ يمكنُ أن يتحوّلَ إلى لوحةٍ، والخيمةَ إلى وطنٍ. هي خياطةُ القلوبِ قبل الثّيابِ، ورفيقةُ الأملِ في زمنِ اليأسِ.
فهل يكونُ لنا مثلُ إبرتها.. نُصلحُ ما تمزّقَ في عالمنا، ونحوكُ ما انقطعَ من أواصرِ الإنسانيّةِ؟







































