هَوَاجِسُ المَحْوِ وَالمُقَامَة
ل/ لطيفة الشابي
فِي كُلِّ مَرَّةٍ
أَجْلِسُ قُبَالَةَ ذَاكِرَتِي،
كَمَنْ يُنَقِّبُ فِي أَرْضٍ مُلَوَّثَةٍ بِالأَزْمِنَة،
فَتُفَاجِئُنِي رُوَايَاتٌ لَمْ أَكْتُبْهَا،
وَلَمْ أَعِشْهَا…
وَلَكِنَّهَا نَمَتْ فِي أَحْشَائِي كَغُصَّةٍ لَا تَكْتَمِلُ
النِّسْيَانُ…
هُوَ الفِكْرَةُ الَّتِي لَمْ تَسْتَسِغهَا رُوحِي
مُنْذُ وَضَعْتُ أَوَّلَ ذِكْرَى فِي جَيْبِ الزَّمَن،
وَأَدْرَكْتُ أَنَّ كُلَّ مَا يُرِيدُ الفِرَارَ
يَتَحَوَّلُ إِلَى طَيْفٍ يُقِيمُ أَكْثَرَ
أُرِيدُ أَنْ أَفْقِدَ مَا يُثَقِّلُنِي
لَكِنَّ يَدَ الزَّمَنِ تَكْتُبُ عَلَيَّ،
كُلَّمَا مَحَوْتُ،
أَعَادَ لِي الذِّكْرَى بِوَجْهٍ آخَرَ…
أَكْثَرَ وَقَاحَةً، وَأَقَلَّ أَلَمًا،
فَيَبْقَى
لَوْ كَانَ لِلنِّسْيَانِ صَوْتٌ،
لَسَمِعْتُهُ يَتَنَفَّسُ فِي جُدْرَانِي،
يَطْرُقُ أَبْوَابَ الرُّوحِ بِخَفَرٍ،
ثُمَّ يُقَبِّلُ أَشْيَائِي، وَيَمْضِي
وَأَنَا أَبْقَى… كَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى المَاءِ وَلَا يَشْرَبُ
فِي دَاخِلِي…
أَرْشِفُ المَاضِي كَمَكْتَبَةٍ تُخْفِي كُتُبَ الإِبَادَةِ،
أَجْمَعُ الحُرُوفَ الَّتِي نَطَقْتُهَا قَبْلَ أَنْ أَفْهَمَهَا،
وَأُرَتِّبُهَا حَسَبَ الدَّمْعِ،
وَحَسَبَ نَبْضِ القَهْرِ…
وَحَسَبَ رَائِحَةِ الغِيَاب
كُلُّ شَيْءٍ فِيَّ يُرِيدُ أَنْ يُنْسَى
وَكُلُّ مَا أُحَاوِلُ نَسْيَانَهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ:
“كُنْتُ هُنَا!”
وَأُصَفِّقُ لِحُضُورِهِ،
كَمَنْ يُوَدِّعُ شَبَحًا بِكُلِّ مَحَبَّةٍ
لَا أُرِيدُ النِّسْيَانَ كَهَرَبٍ،
وَلَا الذِّكْرَى كَسَجَنٍ
أُرِيدُهُمَا يَتَعَانَقَانِ فِيَّ،
يُقِيمَانِ مُوَازَنَةَ المَجَازِ،
لِأَصِيرَ مَخْلُوقَةً تَسْكُنُهَا الأَسْئِلَةُ،
وَلَا تَخَافُ أَنْ تُجِيب







































