لمْ أنمْ إلَّا خطفاتٍ منْ غفواتٍ قصيرةٍ في تلكَ اللَّيلةِ الطّويلةِ منْ ذلكَ الصّيفِ الجميلِ
صيفِ قريتنَا الوادعةِ الصّغيرةِ ، كنتُ مستلقيًا على طرّاحةٍ قطنيَّةٍ باردةٍ فوقَ سطحِ
بيتنَا الطّينيِّ الّذي بناهُ المرحومِ أبي بيديهِ العاشقتينِ للماءِ وَ التّراب .
كيفَ أنامُ وَ أنَا أنتظرُ أخي الكبيرَ القادمَ منَ العاصمةِ حيثُ مقرُّ عملهِ هناك ، فلقد
وعدني بشراءِ درّاجةٍ هوائيّةٍ ( بسكليتْ ) كمكافأةٍ على نيلي المرتبةَ الأولى
على مستوى المنطقةِ و ليسَ القريةِ فقط في الصّفِّ الأولِ الاعدادي .
كنتُ أتقلُّبُ على جمرٍ جميلٍ وَ أنَا أراقبُ القمرَ وَ أعدُّ النّجومَ نجمةً نجمةً لعلَّ
الصّباحَ يُطلُّ مسرعًا بعدَ غفوةٍ عنيدةْ .
أتخيَّلُ وجهَ ( حسين ) الّذي تحَمَّلَ مسؤوليَّةَ الأبِ عنّي وعن أخوتي بعدَ وفاةِ
الوالدِ منذُ 10 سنواتٍ ، ذلك الوجهُ الطّينيُّ الممتلئُ بشقوقِ الأرضِ وَ عرقِ
السّنينِ وَ قطراتِ النَّدى الموشَّاةِ بعطرِ النّبلِ وَ الوفاءِ المختلطِ بحزنٍ رقيقْ .
أتخيّلُ شكلَ الدرَّاجةِ وَ هي تسيرُ في شوارعِ القريةِ التّرابيةِ لأوّلِ مرَّةٍ ، اختراعٌ
يزورُ قريتنَا المطلَّةَ على سفوحِ النّورِ وَ البساطةِ وَ الحلمْ وَ الجمال .
كنتُ أرى نفسيْ وَ أنَا أقودُهَا كما فارسٌ يمتطيْ فرسًا ، اتبخترُ بينَ الرّفاقِ
وَ قدْ أصبحتُ أطولَ منْهم ، وَ منْ كلِّ شبابِ و رجالاتِ القرية ..يا للروعةِ
، ما أجملَ أنْ يحلِّقَ الطّفلُ عاليًا عاليًا بينَ تلكَ النُّجومِ الّتي يَعدُّهَا .
غفوتُ للمرَّةِ الألفِ ثمَّ صحوتُ وَ غصّةٌ تنتابني مازالَ الصّبحُ بعيدًا بعيدًا
ولكنّني واسيتُ نفسي باختفاءِ النُّجومِ منَ السَّماءِ الصّافيةِ ، وَ بياضُ الفجرِ
يُبَشِّرُ باستقبالِ أشعَّةِ الشَّمسِ المتواريةِ خلفَ فرحتي المنتظرَة .
تذكّرتُ أنَّ أخي لن يصلَ معَ الشَّمسِ أبدًا ، وأنَّهُ قالَ : سيأتيْ بعدَ العصرِ
يا الله ، كمْ منَ الوقتِ سأنتظرُ وكمْ منَ العذابِ وَ المرارةِ سأذوقُ هذا النّهار
استسلمتُ لتعبي الشّديدِ الّذي سيطرَ على جسدي رغمَ كلِّ محاولاتِ المقاومةِ
الفاشلةِ ، وَ بينَمَا أنظرُ للشّرقِ باتّجاهِ وجهِ الشَّمسِ ، وَ نُعاسٌ فظيعٌ يُداعبُنُي
كالطّوفانِ ، لا أتذكَّرُ إلّا أنّني رحلتُ في نومٍ عميقْ .
مقطعٌ منَ فصلِ ( الدّرّاجة ) منْ روايتي الّتي لمَّا تكتملْ بعد .
الطبيب الشاعر محمد سعيد العتيقُ







































