واحة الصائمين
[ الحلقة السابعة والعشرون ]
☆ رمضان.. ضيف لا نريد فراقه ☆
ها هو شهر رمضان مضى مسرعًا، وكأنه لم يكن إلا لحظات عابرة… كأننا بالأمس كنا نترقب هلاله، نستعد لاستقباله بفرحةٍ تملأ القلوب، وها نحن اليوم نشعر بمرارة قرب فراقه، وكأن أرواحنا تأبى أن تفقد هذا الضيف العزيز الذي ملأ أيامنا بالبركة وليالينا بالأنس والقرب من الله.
ليلة القدر… نفحات لا تُنسى
بالأمس عشنا ليلة السابع والعشرين، أرجح الليالي لأن تكون ليلة القدر، تلك الليلة التي تفيض بالنور والسكينة، حيث تغمر القلوب طمأنينة لا توصف، وتنساب الدموع في خضوع وخشوع، تتضرع الأرواح لربها، تطلب عفوه ورضاه.
كم كانت ليلة عظيمة! كم رفعنا فيها أكفّ الدعاء، ورجونا الله من فضله، وسألناه القبول والمغفرة! شعرنا فيها بقرب الله، كأن السماء كانت أقرب، وكأن القلوب تفيض بنور الإيمان.
إنها الليلة التي قال عنها ربنا: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 3). فهل استشعرنا هذا الفضل؟ هل أعددنا أنفسنا لنحمل بركتها معنا بعد رمضان؟
رمضان بلا أحبابنا الذين فقدناهم…
رمضان هذا العام حمل لنا ذكريات موجعة، فقد غاب عن موائدنا وقيامنا من كانوا يملأون حياتنا بهجة وسعادة، من كانوا معنا في كل سجدة ودعاء، في كل إفطار وسحور، يزينون ليالي رمضان بضحكاتهم وأصواتهم الدافئة.
كم افتقدنا وجوههم التي ألفناها! كم شعرنا بغيابهم حين نظرنا إلى أماكنهم الفارغة على المائدة، أو افتقدنا أصواتهم في صلاة التراويح، أو تذكرنا أحاديثهم العذبة عن الذكر والقرآن.
لكنهم لم يغيبوا عن قلوبنا، فهم في دعواتنا، وفي كل لحظة حنين نرفع فيها أكفنا إلى الله، راجين أن يرحمهم، ويغفر لهم، ويجعل قبورهم روضة من رياض الجنة.
اللهم اجعلهم من الذين يفرحون برمضان في جنات النعيم، كما كانوا يفرحون به بيننا، اللهم ارحمهم برحمتك، وأسكنهم الفردوس الأعلى، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك يوم اللقاء.
سيبقى رمضان في نفوسنا لن يرحل!
رمضان لا ينتهي بانتهاء أيامه، ولا يرحل مع رحيل لياليه، بل يبقى أثره في قلوبنا، نورًا يضيء دروبنا، وسراجًا يوجه خطواتنا.
إن كان رمضان موسم الطاعة، فالأولى بنا أن نحمله معنا طوال العام، أن نعيش كل يوم وكأننا في ضيافة رمضان، أن نجعل أخلاقنا في شوال وذي القعدة والمحرم كما كانت في رمضان، أن تبقى أرواحنا معلقة بالمساجد، قلوبنا متلهفة لقيام الليل، ونفوسنا مقبلة على الطاعات بنفس الشوق واللهفة.
رمضان سيبقى ما دمنا نحمل رسالته، ما دمنا نحافظ على صدق التوبة، وصفاء النية، ودوام الذكر. فإن رحلت عنا أيامه، فلن ترحل بركاته من حياتنا، وإن غابت لياليه، فلن تغيب أنواره من قلوبنا.
يا رمضان، إن كنت سترحل، فاذكرنا عند ربك، وقل له: “عبادك أحبوني فيّ، فاحببهم، واصطفهم، وقرّبهم إليك.”
ترقبوا الحلقة القادمة من “واحة الصائمين”!
وكل عام وأنتم بخير!
Discussion about this post