أَسفرَ الصباحُ بجمالِه، وأَسدَلتِ الشّمسُ خيوطَها الذّهبيّة. رائحةُ المخبوزاتِ تنبعثُ من المطبخ، وصوتُ زقزقةِ العصافيرِ وقد حطَّت فوقَ السّقيفة. منزلُنا جميلٌ ويتّسعُ اتّساعًا باهرًا، يتغلغلُ فيه هواءٌ فاترٌ رقراق، وتُحيطُ به حديقةٌ مليئةٌ بالأزهارِ وأشجارٌ مختلفةُ الثّمار. ومن بهائِه، يحتضنُ خمسةَ أفرادٍ: أمّي وأبي، إبراهيم وياسر، وأنا أصغرُهم.
كانت حياتُنا بسيطةً للغاية، نعيشُ بهدوءٍ وسلامٍ حتّى جاءَ اليومُ السّابعُ من أيلول. كنت أغطُّ بنومٍ عميقٍ وأحلمُ بالفراشاتِ تحومُ في كلِّ مكان. علا رنينُ المنبِّه فجأة، فأخرجَني من حالةِ الاغتباطِ الّتي كنتُ أنعمُ بها. ألقيتُ نظرةً على السّاعة؛ إنّها السّادسةُ صباحًا، لا يزالُ الوقتُ مبكرًا. أغمضتُ عينيَّ مجددًا وأقفلتُ المنبِّه، ثمّ عُدتُ للنومِ مباشرةً، فقد كنتُ مُجهدًا ولا أريدُ أن أستفيقَ، أريدُ فقط أن أهجعَ براحة. وما إن أسدلتُ الغطاءَ على جسدي حتّى تناهى إلى مسامعي صوتُ قذيفة. لوهلةٍ، ظننتُ أنّ الفراشاتَ قد تحوَّلت إلى قذائف! لم أصدّق بادئِ الأمر، فطفقتُ أمسحُ عينيَّ بكفِّ يدي لأستيقظَ من غفلتي! ومن شدّةِ الرّعبِ بدأتُ أردّدُ كالمجنونِ في قرارةِ نفسي:
يا إلهي! هل ما سمعتُه حقيقةٌ أم خيال؟!
لا… لا… لا، إنّها أضغاثُ أحلام!
هل هذه نبوءةُ حرب؟
لا أظنّ ، ربما أنا أتوهّمُ فقط، ويا ليتَه كان كذلك.
قمتُ على عجلةٍ من فراشي ونزلتُ من سريري لأرى الّذي يحدثُ خارجًا. في هذه الأثناء، كانت ساقاي تهتزّان من الارتعابِ الّذي تغلَّب عليَّ ولا تكادانِ تقويانِ على حملي. شعرتُ بقلبي يقفزُ من بين ضلوعي، انتفضت دقَّاتُه اضطرابًا، وجسدي لم يتمالكْ نفسه من الرّعشةِ الّتي سرَت به. استحوذ عليّ إحساسٌ غريبٌ، هل هو الموت؟! حاولتُ أن أتقدَّم بخطواتٍ ثقيلةٍ نحو الشّرفةِ المُطلّةِ على الشّارع. وصلتُ إلى بابها بأنفاسٍ متقطّعة، فتحتُ الواجهةَ الزّجاجيّة، وإذا بصوتِ القذائفِ يعلو من جديد؛ الطّيرانُ يقصف، والمدفعيّةُ تضرب. صوتُ عويلِ النّساء يُسمعُ، صراخُ، وبكاءُ الأطفال يرتفع!
ما زالَ ذلك المشهدُ المروّعُ لا يفارقُ تفكيري. شيءٌ فظيعٌ يتردّدُ في مُخيلتي، ولا يمكنني نسيانُه أبدًا؛ قد ظلَّ محفورًا في ذاكرتي. وبينما كنتُ مصدومًا بتلك اللوحةِ المُريعةِ أمام ناظري، دخلَ أبي الغرفةَ مرتعبًا، فوجدني مسّمّرًا في مكاني وقد عَلَتِ الدّهشةُ تقاسيمَ وجهي وخذلتني أطرافي.
يا للهول! وكأنّها القيامة!
أمسكني والدي من يدي وصرخ مُزمجِرًا:
هيا بسرعة، جهِّز نفسَك، سوف نخرج من هنا.
إلى أين يا أبي؟
لا تسأل كثيرًا، الوقتُ يداهمُنا يا بُنيّ، هيا استعجل.
لمْلَمتُ بعضَ الأغراضِ الّتي أحتاجها ووضعتُها في حقيبةِ الظّهرِ الخاصّةِ بي، ثم عرَّجتُ على غرفةِ إبراهيم وياسر.
هل أنتما جاهزان؟
نعم، يا أخي.
هيا بنا إذًا، أين أمّي؟
إنّها تنتظرُنا أمام الباب.
خرجنا من البيتِ مسرعينَ الى وجهةٍ غيرِ معروفة. لم يكن لدينا وقتٌ للتفكير أو التّشاور؛ المهمُّ أن نبتعدَ من هنا قدرَ الإمكان حتّى نبقى أحياء. كانت الطّرقاتُ تزدحمُ بالسّيّاراتِ ازدحامًا شديدًا، والنّاسُ يركضون في الشّوارعِ بحثًا عن مكانٍ آمنٍ للاختباءِ فيه. لا يزالُ القصفُ مستمرًّا، والأرواحُ تتساقطُ على مرأى منّي كأنّها ذباب!
يبدو أنّ الحربَ قد بدأت للتو!
تهجَّرنا من أراضينا وتركنا كلَّ شيءٍ خلفَنا؛ أملاكَنا وأهالينا. كنّا نأملُ أن تتوقّفَ الحربُ يومًا ونرجعَ إلى قريتنا الصّغيرة، ولكن لا تزال الحربُ مُستمرّة…
راضية عبد الحميد
Discussion about this post