بين الطهارة والدنس: تأملات في أصل الأخلاق من خلال “حلم رجل مضحك” لدوستويفسكي
كتبت تغريد بو مرعي – لبنان – البرازيل
في عالم الأدب الروسي، يُعَد فيودور دوستويفسكي (1821-1881) أحد أعظم الكتاب الذين تعمقوا في دراسة النفس البشرية، مقدمًا تحليلات فلسفية ونفسية معقدة حول الخير والشر، الإيمان والشك، الطهارة والدنس. في أعماله، يتجلى الصراع الأخلاقي في أبهى صوره، حيث يقف الإنسان بين نزعاته الفطرية نحو الطهارة وواقعه المليء بالفساد والانحلال.
إحدى القصص التي تجسد هذه الفكرة هي “حلم رجل مضحك”، وهي قصة قصيرة كتبها دوستويفسكي عام 1877، ونُشرت ضمن مجلة “يوميات كاتب”. تتناول هذه القصة موضوعات عميقة تتعلق بأصل الأخلاق، وتناقش الفرق بين الطهارة الفطرية والفساد الذي يصيب البشر بمرور الزمن. بطل القصة، رجل يائس فكّر في الانتحار، يمر بتجربة خيالية أثناء نومه، حيث يُنقل إلى عالم نقي لا يعرف الشر، لكنه سرعان ما يفسده بوعيه المكتسب من عالمه القديم. هذه الرحلة الحلمية تعكس فلسفة دوستويفسكي حول الخير والشر، وتحمل نقدًا للمجتمع الحديث ومفاهيمه الأخلاقية.
في “حلم رجل مضحك”، يطرح دوستويفسكي تساؤلًا جوهريًا: هل الفساد جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية، أم أنه مكتسب نتيجة الظروف والتجربة؟ الحلم الذي يعيشه البطل يُظهر أن الإنسان يمكن أن يكون طاهرًا إذا نشأ في بيئة نقية، ولكن بمجرد إدخال عنصر التجربة البشرية، تبدأ الأخلاق في الانحراف.
العالم الذي يحلم به البطل يشبه الجنة الأرضية؛ سكانه يعيشون في انسجام تام، لا يعرفون الكذب، الخيانة، أو العنف. لكن بمجرد أن ينقل إليهم البطل “معرفته”، يبدأ الفساد بالانتشار تدريجيًا، مما يؤدي إلى سقوطهم في نفس المستنقع الأخلاقي الذي نعرفه في عالمنا الواقعي. هذه الفكرة تتلاقى مع رؤية دوستويفسكي حول الإنسان، حيث يرى أن المعرفة والحرية قد تقودان إلى الفساد إذا لم تكن مشفوعة بالإيمان والمحبة.
هذا الطرح يعيدنا إلى سؤال الفلسفة الأخلاقية القديم: هل الأخلاق فطرية أم مكتسبة؟ دوستويفسكي يميل إلى رؤية مزدوجة؛ فالإنسان يحمل في داخله بذور الطهارة، لكنه يسقط في الدنس عندما يواجه تجربة الحياة بتعقيداتها. هذا الصراع هو جوهر القصة، حيث يتساءل البطل: هل يمكن استعادة البراءة بعد فقدانها؟
يقدم دوستويفسكي رؤية نقدية للحداثة والمجتمع المادي، حيث يرى أن تقدم العلم والتكنولوجيا لم يحقق للبشرية السعادة، بل زادها تعقيدًا وأبعدها عن حقيقتها الفطرية. في عالم اليوم، حيث القيم الأخلاقية تخضع للنسبية والبراغماتية، يمكننا رؤية انعكاس لنفس القضية التي ناقشها دوستويفسكي في القرن التاسع عشر.
إذا نظرنا إلى المجتمعات البدائية، نجد أن القوانين الأخلاقية كانت بسيطة وواضحة، قائمة على التفاهم الفطري بين الأفراد. لكن مع تطور الحضارة، أصبح الإنسان أكثر تعقيدًا، وأصبحت الأخلاق مجالًا للتفاوض والتأويل. اليوم، نجد أن مفهوم الخير والشر لم يعد مطلقًا كما كان، بل أصبح يعتمد على السياق والثقافة الفردية.
هذا التغير يثير تساؤلات مشابهة لما طرحه دوستويفسكي: هل الفساد نتيجة طبيعية للتقدم البشري؟ هل كل محاولة لفهم الأخلاق وتحليلها تؤدي إلى انحلالها؟ في قصة “حلم رجل مضحك”، كان دخول البطل إلى العالم الطاهر هو ما أفسده، مما يعني أن الوعي الإنساني نفسه قد يكون سببًا في الفساد، وليس مجرد البيئة الخارجية.
ما نستخلصه من “حلم رجل مضحك” هو أن الصراع بين الطهارة والدنس ليس مجرد ثنائية بين الخير والشر، بل هو معركة داخلية يعيشها كل فرد بين وعيه الفطري ونزعاته المكتسبة. دوستويفسكي لا يقدم حلاً نهائيًا، بل يدعونا للتأمل في طبيعة الأخلاق وكيفية استعادتها بعد الفقدان.
القصة تذكرنا بأن الطهارة قد تكون فطرية، لكنها ليست محصنة ضد الفساد. في المقابل، الفساد ليس حتميًا، بل يمكن مقاومته بالوعي والمحبة والإيمان. ربما يكون الحل، كما ألمح دوستويفسكي، في العودة إلى البساطة، إلى الفطرة الإنسانية التي لم تفسدها التعقيدات الحضارية.
“حلم رجل مضحك” ليست مجرد قصة، بل هي دعوة للتأمل في طبيعتنا الأخلاقية، والسؤال الذي يطرحه دوستويفسكي لا يزال قائمًا حتى اليوم: هل يمكن للبشرية أن تستعيد براءتها بعد أن ذاقت طعم المعرفة؟
Discussion about this post