[بين المحبة الحقيقية وسوء الظن: أزمة القلوب في محراب الكلمة]
في فضاء الثقافة والفكر، حيث يفترض أن يكون النقاء والشفافية سمتين ملازمتين لأهل الأدب، نجد مفارقات عجيبة: بعض المثقفين الذين ينظر إليهم كحماة الكلمة وحراس الفكر، يتوجسون خيفة من المحبة المفرطة التي يبديها لهم الآخرون. كأن كل إعجاب بفكرهم أو تقدير لإبداعهم هو ضرب من التقرب المصلحي، أو محاولة للنفاذ إلى عوالمهم الخاصة طمعا في شيء بعيد المنال.
حين تصبح المحبة محل شك تكون من المفارقات المحزنة أن من يحبون الأدب والفكر، ويهيمون عشقا بالكلمة، يجدون أنفسهم أحيانا متّهمين بالرياء أو التودّد المبالغ فيه. إنّه شعور مؤلم أن تُقدم الحب نقيا، دونما غاية أو منفعة، فيواجه بعيون مترصدة تتساءل: ماذا يريد هذا الشخص؟
هؤلاء المثقفون، الذين كان الأجدر بهم أن يكونوا أنبياء للطيبة والسماحة، تملكتهم المخاوف، وأعمتهم التجارب القاسية عن رؤية المحبة الصافية بعفويتها ونقائها. قد يكون ذلك ناتجا عن جراح الماضي، عن خيبات متراكمة جراء علاقات اجتماعية مصلحية، أو عن غربة داخلية جعلتهم يرتابون من أي تقارب بشري.
لا شك أن هنالك فرقا جوهريا بين الحب الصادق والتملق الزائف. الأديب الحقيقي، والمثقف الحق، يستطيع أن يميز بين شخص يقدّره بصدق، وآخر يتودد إليه بدافع المنفعة أو المصلحة. لكن البعض، للأسف، يضع الجميع في كفّة واحدة، فيرى في كل محبة مطية لمآرب خفية، فينسحب إلى دائرة مغلقة، يحبس نفسه فيها خوفا من استغلال الآخرين.
وحتى في أبسط التفاصيل، كأن يطلب أحد المعجبين التقاط صورة تذكارية مع مثقف أو أديب، قد يفسّر الأمر بشكل خاطئ. هناك من يراه لحظة توثيق صادقة للحظة إعجاب واحترام، وهناك من يتوجس من ذلك، معتقدا أن الصورة ستستخدم لمآرب أخرى، أو أنها شكل من أشكال التقرب غير البريء.
لكن، لنتساءل: أليس في ذلك ظلم للحب الصادق؟ هل أصبح التقدير جريمة؟ أليس من حق من تأثر بكلمة جميلة، أو نص عميق، أن يعبر عن امتنانه بأسلوب بسيط كطلب صورة تذكارية؟ لماذا صار بعض المثقفين يتحاشون مثل هذه اللحظات وكأنها عبء عليهم، بدل أن يكونوا جزءا من مشهد إنساني دافئ؟
متى يعود المثقف إلى نقائه الأول؟
الزمن الذي نعيشه أفرز نماذج كثيرة من العلاقات المشوهة، حيث أصبحت المصالح تتداخل مع المشاعر، وتكاد البراءة تندثر من لغة التقدير والحب. لكن، هل هذا سبب كاف لنحكم بالإعدام على المحبة الصادقة؟
الأديب الحقيقي لا يكون حارسا فقط على نصوصه، بل حارسا على قلبه أيضا، فلا يجعله قلعة منيعة لا تفتح أبوابها إلا لمن يحمل مفاتيح مصلحية، ولا يُحكم عليه بالسجن المؤبد خوفا من الخداع. من يمتلك الحس الأدبي العميق، عليه أن يمتلك حسا إنسانيا أعمق، يوازن بين الحذر المشروع والانفتاح النبيل، فلا يسقط في فخ الارتياب المرضي الذي يحوله إلى كائن متوجس يعيش داخل برج عاجي، بعيدا عن وهج الحياة الحقيقية.
ليس كل من أحبّك طامعا، وليس كل من أبدى إعجابه بجميل حرفك ساعيا إلى غاية خفية. العالم لا يزال يحتفظ بقلوب صادقة، رغم كل الزيف الذي يعج به الواقع. الأديب والمثقف، قبل أن يكون عقلا، هو روح، وعليه ألّا يسمح لمخاوفه أن تسجنه داخل قوقعته، فيضيع عليه بهاء المحبة الحقيقية، التي ربما تكون هدية نادرة وسط زحام الأقنعة.
Discussion about this post