#قصة_قصيرة
” صيام على حافة الاغتراب ( 2 ) ”
“مغترب بلا ملامح في مدينة تأكل الظلال”
نورالدين طاهري
كان الليل في بروكسل مجرد ديكور بارد، مدينة تتثاءب تحت أضواء المصابيح، لكنها لا تنام أبدا. بين الأزقة التي لا تحفظ أسماء ساكنيها، تحرك يوسف بخطى مدروسة، لا بطيئة فتثير الشك، ولا سريعة فتفضحه. الهواء مشبع بروائح الخبز الطازج وأحاديث العابرين، لكنه لم يكن جزءا من ذلك المشهد. كان جسدا يتحرك، مجرد احتمال، ظلا بلا جذور.
عند كل ناصية، يتفحص الوجوه، يقرأ العيون التي لم تعد تُطيل النظر. منذ وصوله، تعلّم قانون الغياب، كيف يكون حاضرا دون أن يُرى، كيف يضبط إيقاع أنفاسه في الشوارع حتى لا يبدو دخيلا. لم يكن الخوف ما يسيره، بل إدراكه العميق بأنه فائض عن الحاجة في مدينة لا تعترف إلا بمن يدفع ضرائبه.
المبيت؟ مسألة تتوقف على الحظ. الليالي الجيدة تعني العثور على زاوية معتمة، تحت جسر بعيد أو قرب محطة قطار حيث لا تلتقي العيون. أما الليالي السيئة، فهي صقيع بلا ملجأ، عيون شرطة تمشط المكان، وركلات تذكّره بأنه غير مرئي حين يحتاج المساعدة، لكنه يصبح واضحا فجأة حين يتوجب التخلص منه. كان جسده قد اعتاد الإسمنت البارد، ظهره يحمل خرائط الأرصفة التي نام عليها. تعلم أن الصباح لا يمنح إجابات، بل بداية جديدة للبحث عن مكان آخر، ليل آخر، نفس الدوامة.
الثياب؟ لم تكن أكثر من امتداد لجسده، ذاكرة تتحلل ببطء. لم يعد يذكر متى غسَلها آخر مرة، ولا يهتم. كل قطعة تمزقت كانت شاهدة على طريقه، على الحدود التي عبرها، على الجدران التي تسلقها. في البداية، كان يهتم بمظهره، يحاول أن يندمج، أن يبدو “عاديا”. الآن، صار الأمر بلا معنى. المدينة لم تعد تراه أصلا، فلماذا يبالي؟
اللغة؟ متاهة أخرى. في البداية، قاومها، حارب الكلمات التي تتزاحم في فمه دون أن تخرج سليمة. كان كل حرف يسقط منه كإهانة، كدليل إضافي على أنه غريب، على أنه لا ينتمي. لكن بمرور الوقت، بدأ يفهمها دون أن يتقنها، يلتقط المعاني من الوجوه، من الإشارات. كان يكره الحديث، لأن كل كلمة ينطقها تكشف عن فشله، عن تلك الفجوة التي تفصله عنهم. الكلمات؟ سلاسل جديدة، لكنه لم يعد يملك طاقة ليفكّها.
أما الشرطة، فقد كانوا مثل الزمن، لا يمكن إيقافهم. عيونهم تحمل لامبالاة قاتلة، نظرات تمر عبره كما لو كان لا شيء. لم يكن مذنبا، لكنه كان يعيش كالهارب. الشوارع ليست له، الأرصفة ليست له، حتى الهواء كان يبدو مستعارا. لم يكن يحتاج إلى صفع الباب في وجهه ليعرف موقعه، كان يشعر بذلك في كل خطوة، في كل نظرة تُصرف عنه ببرود، في كل يد تمتد إلى حقيبتها بدل أن تمتد لمصافحته.
أما الأحلام؟ فقد اختفت تدريجيا، تآكلت كما تتآكل الجدران بفعل الزمن. لم يعد يتذكر لماذا جاء، لماذا عبر البحر، لماذا ظن أن الأرض الجديدة ستمنحه حياةً تشبهه. في ليالي الجوع الطويلة، كانت ذاكرته تحاول أن تعيد تشكيل ملامحه القديمة، لكنه كان يدرك أن الزمن في المنافي يعمل بطريقة مختلفة: لا يمحوك فجأة، بل يُذيِبك، يتركك نسخة باهتة مما كنت عليه، حتى تختفي دون أن تلاحظ.
وقف أمام واجهة زجاجية، تطلع إلى انعكاسه، فلم يعرفه. عينان غارقتان في تجاعيد مبكرة، فم متيبس، جسد نحيل كأنه مصنوع من حواف حادة. مدّ يده نحو الزجاج، لكنّها ارتطمت بالفراغ. لم يكن في الداخل، لم يكن في الخارج تمامًا. كان عالقا في الحد الفاصل بين الحلم والوهم، بين الوطن والمنفى، بين الإنسان والظلّ.
استدار، أكمل طريقه. لم يكن يعرف إلى أين، لكنه كان يعلم أنه لن يتوقف.
سار يوسف بلا وجهة، لكنه لم يكن تائهًا. فالتائه يبحث عن طريق، أما هو فقد أدرك أن الطرق كلها تنتهي إلى الجدار ذاته: جدار اللامكان. في المدينة التي تتقن فن التجاهل، لا أحد يسأل عن رجل بلا أوراق، بلا مأوى، بلا ملامح واضحة. كان مجرد رقم ناقص في معادلة لا تكترث لوجوده.
الجوع كان رفيقا دائما، لكنه لم يكن الأكثر إيلامًا. الألم الحقيقي كان ذلك الفراغ الذي يزحف ببطء، يسرق منه المعنى. فقد تعلّم أن الجوع يُحتمل، أن الجسد يعتاد الحرمان، لكن الروح حين تهترئ لا يمكن ترقيعها. في البداية، كان يعدّ الأيام، يتشبث بفكرة العودة، بالحلم المؤجل. لكنه بمرور الوقت، صار الزمن عنده مجرد إيقاع ممل، لا بداية له ولا نهاية.
في أحد الشوارع الخلفية، حيث الروائح تختلط بين المطاعم الرخيصة وأكوام النفايات، وقف للحظة. نظر إلى يديه، إلى أصابعه التي كانت يوما قادرة على الحلم، على الكتابة، على العزف فوق طاولة مقهى قديم في وطن بعيد. الآن، كانت يديه مجرد امتداد لهذا الشارع، جافتين، متشردتين مثله.
عبر أمام مجموعة من الشباب، ضحكاتهم تنفجر كرصاصات طائشة. لم يلتفتوا إليه، لكنه شعر بتلك الفجوة التي تفصله عنهم، عن عالمهم الممتلئ بالحياة. لو كان الأمر قبل سنوات، لربما انضم إليهم، تبادل معهم النكات، ابتسم بتلك العفوية التي فقدها منذ أن صار جسده مجرد وثيقة ناقصة.
لكنه الآن كان يكتفي بالمراقبة. حياة الآخرين باتت فيلما صامتا، لا يمكنه أن يكون جزءا منه. لم يكن يسأل لماذا، فقد تعلّم أن بعض الأسئلة لا إجابة لها، أو أن الإجابة أكثر قسوة من أن تُقال بصوت مرتفع.
أكمل سيره، توقف عند زجاج سيارة متوقفة. تطلع إلى انعكاسه، إلى الوجه الذي لم يعد يشبهه. تساءل: متى حدث هذا التحوّل؟ متى صار ظله أكثر وضوحا منه؟ مدّ يده نحو وجهه، كأنه يريد أن يتأكد من أنه لا يزال هناك، من أن الزمن لم يمحُه بالكامل. لكن الزجاج لم يمنحه يقينا، بل زاد من ارتباكه.
في لحظة عابرة، فكر أن يطرق النافذة، أن يطلب من السائق أن ينظر إليه، أن يقول له بصوت مرتفع: “أنا هنا!” لكنه ضحك بسخرية، من نفسه أولا، ومن فكرة أن اعتراف الآخرين بوجوده قد يمنحه ذلك الوجود.
المدينة لا تعترف إلا بمن يضيف شيئا إلى إيقاعها، بمن يدفع مقابل وجوده. أما هو، فقد كان مجرد فراغ يتحرك بين الأزقة، رجلا فقد اسمه، صوته، وحتى خوفه. ما الذي قد يخافه من فقد كل شيء؟
استدار، ابتلعته العتمة. لم يكن ذاهبا إلى مكان محدد، لكنه كان يعلم جيدا أن المدينة لن تتذكر مروره. فالمجهول لا يترك أثرا، حتى حين يمضي بعيدا.
Discussion about this post