#قصة_قصيرة
” صيام على حافة الاغتراب ”
نورالدين طاهري
لم يكن يوسف سوى ظلّ عابر في شوارع بروكسل، يتنقّل بين الأزقة بحذر، كأنّه يخشى أن تفضحه الأضواء المنبعثة من مصابيح المدينة الباردة. كان رمضان قد حلّ، لكنّه لم يكن يعني له سوى مزيد من العزلة، مزيد من الأيام التي تسير ببطء، مملوءة بجوع لا يتغذّى فقط على غياب الطّعام، بل على ذلك الشعور القاسي باللاانتماء.
وقف عند إحدى النوافير، نظر إلى الماء المتدفّق كأنّه يرى فيه ماضيه المتسرّب من بين أصابعه. هنا، في هذا البلد الغريب، صار كلّ شيء مؤقّتا، حتى الهواء الذي يستنشقه بدا مستعارا. كان يحمل فوق كتفيه أعباء تفوق قدرته على الاحتمال: الغربة، الفقر، وذاكرة الطّفولة التي لا تكفّ عن ملاحقته.
مع آذان المغرب، وقف أمام أحد المطاعم، تطلّع إلى الداخل فرأى العائلات تلتفّ حول موائد عامرة. لحظتها شعر كأنّه يشاهد مشهدا من حياةٍ لم تعد تخصّه. تحسّس جيبه، فلم يجد سوى بعض القطع النقدية لا تكفي لشراء شيء. عندها، قرّر أن يسير بعيدا، إلى حيث لا يضطرّ للنظر إلى موائد الآخرين، إلى حيث لا يسمع قهقهات تشبه طعنات في صدره الفارغ.
رمضان في بروكسل لم يكن شهرا للرحمة، بل كان شهرا للمساءلة. كلّ ليلة، يسأل يوسف نفسه: لماذا جاء؟ ماذا كان ينتظر من هذه الأرض؟ هل ستحتضنه يوما أم ستظلّ تراه دخيلا لا حقّ له حتى في الحلم؟
في نهاية الشارع، حيث الضوء يخفت والصمت يصبح سيد المكان، جلس يوسف على مقعد خشبيّ، أغمض عينيه، وتنفس بعمق، محاولا أن يستحضر رائحة المطبخ في بيت أمّه، صوت أبيه وهو يمازحه قبل الإفطار، ودفء العائلة حول مائدة لا تحمل أكثر من الحبّ.
لكن الذاكرة لم تكن رحيمة، كانت تستدرجه نحو هاويةٍ لا قرار لها. فتح عينيه على وقع خطوات مسرعة تمرّ بجانبه، أناس لا يلتفتون إليه، يمضون في حياتهم دون أن يعوا أنه بين جوعه وغربته، كان يتآكل بصمت.
نهض متثاقلا، متجها نحو المسجد الصغير في أحد أحياء بروكسل الشعبية. كان المكان الوحيد الذي لا يسأله عن أوراقه، لا يحاسبه على كونه مجرد شاب يعيش حياة كلبية. عند الباب، استقبله رجل مسنّ بابتسامة دافئة، وكأنّه يقرأ في عينيه خيبة العالم كلّه. دعاه إلى الداخل، حيث موائد بسيطة تنتظر الصائمين. جلس يوسف بين غرباء يشبهونه، لكلّ منهم حكاية ألم، لكنّهم جميعا يتشاركون في دعاء واحد: أن يجدوا وطنا، ولو كان في حضن المساء.
عند أوّل لقمة، شعر بأنّ الجوع لم يكن سوى غطاء لحاجة أعمق، الحاجة إلى أن يشعر أنّه مرئيّ، أنّه موجود، أنّه ليس مجرد رقم عابر في إحصائيات مجهولة. بعد العشاء، خرج إلى الشارع مجددا، الهواء كان باردا، لكنّ صدره كان أخفّ. سار دون وجهة، متأملا أضواء المدينة التي لم تكن يوما له، لكنّه بدأ يدرك أنّ عليه أن يصنع فيها مكانه، ولو كان مجرّد ظلّ يسير بين الأزقة، يحلم بيوم يصبح فيه أكثر من مجرد عابر.
بين الأزقة الضيقة، حيث تلاعب الأضواء المعلقة ظلال العابرين، سار يوسف بلا وجهة، كمن يبحث عن شيء لم يحدده بعد. كان الليل في بروكسل صاخبا رغم رمضان، والمقاهي تضجّ بأحاديث بلغات شتى، كلّها غريبة عنه كما لو كان في متاهة بلا مخرج. توقف أمام واجهة زجاجية لمخبز فرنسي، تفوح منه رائحة الخبز الطازج، التهم عطره بأنفاس طويلة، وكأنه يغذي به روحه الجائعة أكثر من معدته. لكنه لم يجرؤ على الدخول. في جيبه بضع يوروهات لا تكفي إلا لأبسط ضروريات العيش.
جلس على حافة رصيف، مستندا إلى جدار بارد، يتأمل شريط الذكريات وهو يتراقص في ذهنه كضوء نيون وامض: رحلته عبر البحر، أياديه المرتجفة وهي تقبض على حافة قارب متهالك، عيون أمّه الغارقة في دموع صامتة وهي تودّعه، وآخر كلماتها التي ظلت تتردّد في رأسه كأصداء بعيدة: “إياك أن تنسى نفسك وسط ذلك العالم الغريب.” لكنه نسي، أو كاد.
تململ في جلسته، رفع رأسه نحو السماء الصافية، متسائلا: هل يسمعني أحد؟ هل يراني الله في هذه المدينة الباردة؟ شعر بقلبه ينقبض، لكنه سرعان ما ابتسم لنفسه بسخرية: إن لم يرني الله، فمن سيراني؟
نهض، رافعا يديه ليمسح آثار التعب عن وجهه، واستدار ليكمل طريقه. لم يكن يعرف إلى أين، لكنه أدرك أنه لن يتوقف. فالغريب، مهما طالت غربته، يظلّ يبحث عن طريق العودة، حتى لو كان إلى نفسه فقط.
Discussion about this post