سلسلة ومضة
لمحات من التَّاريخ الإنساني
بقلم/ د. دعاء محمود
ولد طه حسين في 15 نوفمبر 1889 في قرية الكيلو وهي قرية قريبة من مغاغة إحدى مدن محافظة المنيا، وفقد بصره في طفولته بسبب مرض الرَّمد، ورغم ذلك أصرَّ والده على إلحاقه بالكتَّاب ليتعلَّم، وبالفعل استطاع طه حسين أن يحفظ فيه القرآن الكريم فى وقت قصير.
انتقل إلى الأزهر عام 1902، وعندما فتحت الجامعة المصرية أبوابها عام 1908 كان طه حسين أول المنتسبين إليها، فدرس العلوم العصرية، والحضارة الإسلامية، والتَّاريخ والجغرافيا، وعددًا من اللُّغات الشَّرقية كالحبشية، العبرية والسِّريانية، وظل يتردد خلال تلك الحقبة على حضور دروس الأزهر، والمشاركة في ندواته اللَّغوية والدِّينية والإسلامية.
أرسلته الجامعة ببعثة دراسية إلى جامعة مونبلييه في فرنسا، و حصل طه حسين على شهادة اللِّيسانس في الآداب من جامعة السُّوربون عام 1917، وفي عام 1919 حصل على شهاد دبلوم الدِّراسات العليا في التَّاريخ التي تؤهِّل حاملها للانتساب إلى دروس التَّبريز في الأدب.
دعا طه حسين إلى نهضة أدبية، وعمل على الكتابة بأسلوب سهل واضح مع المحافظة على مفردات اللُّغة وقواعدها، ولقد أثارت آراؤه الكثيرين، كما وجهت له العديد من الاتهامات، ولم يبال طه بهذه الثَّورة ولا بهذه المعارضات القوية التي تعرض لها ولكن استمر في دعوته للتجديد والتَّحديث، فقام بتقديم العديد من الآراء التي تميزت بالجرأة الشَّديدة والصَّراحة.
دعا إلى أهمية توضيح النُّصوص العربية الأدبية للطلاب، هذا بالإضافة لأهمية إعداد المعلمين الذين يقومون بتدريس اللُّغة العربية، والأدب ليكونوا على قدر كبير من التَّمكن والثَّقافة، بالإضافة لاتباع المنهج التَّجديدي، وعدم التَّمسك بالشَّكل التَّقليدي في التَّدريس.
عندما نشر كتاب «الشِّعر الجاهلي»، أثار هذا الكتاب ضجة كبيرة، والكثير من الآراء المعارضة، وهو الأمر الذي توقعه طه حسين، وكان يعلم جيدًا ما سوف يحدثه، لذلك قال في مقدمة الكتاب: «هذا نحو من البحث عن تاريخ الشِّعر العربي جديد لم يألفه النَّاس عندنا من قبل، وأكاد أثق بأن فريقًا منهم سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقًا آخر سيزورون عنه ازورارًا. ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث أو بعبارة أصح أريد أن أقيده فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابي في الجامعة».
تزوج من سوزان بريسو الفرنسية السِّويسرية الجنسية، التي ساعدته على الإطلاع أكثر فأكثر باللُّغة الفرنسية واللَّاتينية، فتمكن من الثَّقافة الغربية إلى حدٍ بعيد.
كان لهذه السَّيدة عظيم الأثر في حياته، فقامت لهُ بدور القارئ فقرأت عليهِ الكثير من المراجع، وأمدته بالكتب التي تمت كتابتها بطريقة برايل حتى تساعده على القراءة بنفسه، كما كانت الزَّوجة والصَّديق الذي دفعه للتقدم دائمًا وقد أحبها طه حسين حبًا جمًا، ومما قاله فيها أنه «منذُ أن سمع صوتها لم يعرف قلبه الألم»، وكان لطه حسين اثنان من الأبناء هما: أمينة ومؤنس.
عندما عاد طه حسين إلى مصر عام 1919 عُين أستاذا للتَّاريخ اليوناني والرُّوماني في الجامعة المصرية، وكانت جامعة أهلية، وعند إلحاقها بالدولة عام 1925 عينته وزارة المعارف أستاذًا للأدب العربي، ثم عميدًا لكلية الآداب عام 1928، واستقال منها، وعاد لها مرة أخرى عام 1936.
ثم عين وزيرًا للمعارف عام 1950 حتى عام 1952، في عام 1959 عاد طه حسين إلى الجامعة بصفة أستاذًا غير متفرغ، كما عاد إلى الصَّحافة فتسلم رئاسة تحرير الجمهورية.
قدم عميد الأدب العربي الكثير من المؤلفات القيمة، والتي تعكس مسيرته الأدبية الثَّرية، ومن مؤلفاته:«الأيام» و«دعاء الكروان» و«المعذبون في الأرض»، «فصول في الأدب والنَّقد»، «حديث المساء»، و«مستقبل الثَّقافة في مصر»، «حديث المساء»، و«غرابيل» «في الأدب الجاهلي»، و«المتنبي».
حاز عميد الأدب العربي على الكثير من المناصب والجوائز، منها تمثيله مصر في مؤتمر الحضارة المسيحية الإسلامية في مدينة فلورنسا بإيطاليا عام 1960، وانتخابه عضوا في المجلس الهندي المصري الثَّقافي، والإشراف على معهد الدِّراسات العربية العليا، واختياره عضوًا محكمًا في الهيئة الأدبية الطَّليانية والسِّويسرية؛ وهي هيئة عالمية على غرار الهيئة السِّويدية التي تمنح جائزة بوزان.
وقد رشحته الحكومة المصرية لنيل جائزة نوبل، وفي عام 1964 منحته جامعة الجزائر الدُّكتوراه الفخرية، ومثلها فعلت جامعة باليرمو بصقلية الإيطالية، عام 1965.
وفي السنة نفسها ظفر طه حسين بقلادة النِّيل، إضافة إلى رئاسة مجمع اللُّغة العربية، وفي عام 1968 منحته جامعة مدريد شهادة الدُّكتوراه الفخرية.
وفي عام 1971 رأس مجلس اتحاد المجامع اللَّغوية في العالم العربي، ورشح من جديد لنيل جائزة نوبل، وأقامت منظمة اليونسكو الدُّولية في اورغواي حفلاً تكريميًا أدبيًا قل نظيره.
وقد شغل طه حسين أيضًا منصب وزير التَّربية والتَّعليم في مصر.
الكاتبة الصحفية/ د. دعاء محمود
مصر
دعاءقلب
Discussion about this post