بين نظريات الإبادة والواقع: حين يصبح البشر سرطانا على الأرض
كتبت تغريد بو مرعي – لبنان – البرازيل
منذ فجر التاريخ، سعى البشر إلى السيطرة على موارد الأرض، لكن بعض الفئات والنظريات ذهبت إلى أبعد من ذلك، مدعيةً أن جزءًا من البشر يجب أن يُباد لصالح الآخرين. هذه الأفكار لم تكن مجرد نظريات عابرة، بل شكّلت أساسًا لسياسات وممارسات قمعية دمرت مجتمعات بأكملها. من نظرية “المليار الذهبي” التي طرحها توماس روبرت مالتوس، والتي تدعو إلى إبادة الأغلبية من أجل رفاهية النخبة، إلى الطروحات العنصرية لعالم الأنثروبولوجيا آرثر دي غوبينو، وصولًا إلى المخاوف الحديثة من الذكاء الاصطناعي وتداعياته، جميعها تكشف عن نزعة خفية تسعى لإقصاء فئات واسعة من البشر تحت ذرائع مختلفة.
كان مالتوس يعتقد أن الموارد الطبيعية محدودة، ولا يمكن أن تكفي جميع البشر، لذا يجب تقليص عدد السكان إلى مليار شخص فقط، بينما يتم التخلص من الآخرين. هذه النظرية استخدمت لتبرير سياسات استعمارية، حروب، ومجاعات مفتعلة، حيث رأى أتباع مالتوس أن الفقراء والضعفاء عبء على المجتمع ويجب إبادتهم طبيعيًا عبر الأوبئة أو الحروب. ورغم أن العالم تجاوز الكثير من أفكاره، فإن صداها ما زال يتردد في بعض السياسات الدولية التي تفرض الفقر على دول معينة، وتحدّ من وصول الشعوب إلى الغذاء والرعاية الصحية والتعليم، مما يكرّس الانقسام بين فئة محظوظة وأخرى محكوم عليها بالمعاناة أو الإبادة البطيئة.
أما آرثر دي غوبينو، فقد رسّخ فكرة تفوق العرق الأبيض، واعتبر أن البشرية مقسمة بين أعراق راقية تهيمن على العالم، وأخرى منحطة يجب أن تبقى تحت السيطرة أو تُباد. شكلت أفكاره أساسًا للأيديولوجيات النازية والفاشية، وبررت استعباد شعوب بأكملها، كما استخدمت لإبادة ملايين البشر في الهولوكوست، والاستعمار، والفصل العنصري. ورغم مرور الزمن، ما زالت هذه الفكرة تتجلى في مظاهر حديثة مثل الإسلاموفوبيا، كراهية اللاجئين، والتفرقة الاقتصادية، حيث تُعامل فئات معينة وكأنها أقل استحقاقًا للحياة والرفاهية.
مع تقدم الذكاء الاصطناعي، ظهرت مخاوف جديدة حول كيفية استغلال التكنولوجيا لتعزيز التمييز والإقصاء. فمن خلال الخوارزميات المنحازة التي تفضّل فئات معينة على حساب أخرى، وصولًا إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في التحكم بالسكان عبر أنظمة الائتمان الاجتماعي والمراقبة الشاملة، يبدو أن البشرية دخلت حقبة جديدة من الإبادة الرقمية، حيث يُقصى البعض ليس بالأسلحة التقليدية، بل بقرارات خوارزمية تحكم عليهم بالفقر أو السجن أو حتى الموت.
طبّقت بعض الأنظمة أفكار الإبادة الجماعية بشكل وحشي، كما حدث في الإبادة النازية لليهود والغجر والمعاقين، حيث قُتل أكثر من 6 ملايين شخص، وفي المجازر الاستعمارية في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيث استُخدمت الحروب والمجاعات لإبادة ملايين السكان الأصليين، وفي حروب التطهير العرقي في البوسنة ورواندا، حيث قُتل مئات الآلاف بسبب انتماءاتهم العرقية أو الدينية. ولم تقتصر الممارسات على الحروب، بل شملت التجارب البيولوجية، كما في قضية “توسكيجي”، حيث تُرك المصابون بالزهري بدون علاج لمعرفة تأثير المرض عليهم، أو من خلال نشر الأوبئة في مناطق معينة، حيث يعتقد البعض أن بعض الفيروسات القاتلة كانت نتيجة تجارب مخبرية غير أخلاقية.
وفي العصر الحديث، تمارس بعض القوى العالمية سياسات اقتصادية تُبقي الشعوب الفقيرة تحت السيطرة، مثل فرض الديون على الدول النامية بحيث تبقى مرهونة للمؤسسات المالية العالمية، واحتكار الموارد الطبيعية، وخلق بيئات اقتصادية تجعل من المستحيل على بعض الدول النهوض. هذه السياسات لم تعد بحاجة إلى جيوش أو أسلحة، بل أصبحت تعمل بآليات غير مرئية تجعل الفقراء أكثر فقرًا، والأغنياء أكثر تحكمًا بمصير العالم.
المفارقة أن من يروّجون لهذه النظريات يتذرعون بأنهم يسعون لتحسين العالم، لكنهم في الواقع يعززون الجهل والغباء والظلم، وذلك عبر حجب المعرفة، وإشاعة الخوف من الآخر، وإضعاف الوعي الجماعي بحيث يصبح الفرد غير مهتم إلا بمصلحته الشخصية. في النهاية، إذا استمر البشر في رؤية بعضهم كأعداء وليس كشركاء في الحياة، فإننا نسير نحو كارثة محتمة.
اليوم، قد لا نرى غرف الغاز النازية أو المجازر الاستعمارية المباشرة، لكن الإبادة تتخذ أشكالًا جديدة، من السيطرة الاقتصادية، إلى التمييز الرقمي، إلى نشر الأمراض وتدمير الطبيعة. حين نقرأ العبارة المنحوتة على النصب التذكاري في حرورجيا عام 1980: “لا تكونوا سرطانًا فوق الأرض، افسحوا مجالًا للطبيعة”، علينا أن ندرك أنها لم تكن مجرد دعوة بيئية، بل تحذيرًا من أن البشر إذا لم يتخلوا عن جشعهم وإقصائهم للآخرين، فقد يتحولون إلى كارثة على الأرض نفسها. إذا أردنا تجنب هذا المصير، يجب أن نواجه هذه النظريات بالعلم، الوعي، والتعاون، بدلًا من ترك الجهل والطمع يقودان مستقبل البشرية. السؤال الأهم: هل سنكون سرطانًا على الأرض، أم سنترك رحمة الله تسود؟
Discussion about this post