”آلان الزغبي.. سادنُ الهيكلِ الذي صهرتهُ التجاربُ وتوّجتهُ المنابر”
بقلم: الصحفية الدولية سلمى صوفاناتي
بين مرافئ “باريس” التي لقنتهُ فلسفةَ التفكيكِ والترميم، وحواري “مصر” التي عمّدتهُ نجماً في محرابِ عمالقتها، يرتسمُ “آلان الزغبي” كأيقونةٍ حيّةٍ تختزلُ جيلَ الرواد. هو ذاك الذي لم يعبرِ الفنَّ عبورَ الهواة، بل دخلهُ بفروسيةٍ فطرية، مستهلاً مشوارهُ بوقوفٍ واثقٍ أمام شمسِ الفن “الصبوحة”، ليقتبسَ من وهجِ حضورها سرَّ الاستمرارية، ومن شموخِ كبريائها هيبةَ الوقوفِ فوقَ الخشبة.
لم يكن “آلان” يوماً سجيناً لملامحهِ الأرستقراطية التي توحي بالترف، بل كان “نحّاتاً” طوّع وسامتهُ لتكونَ قناعاً يشفُّ عما وراءه من انكساراتٍ إنسانيةٍ دفينة. هو اللبنانيُّ الذي تآلفَ مع “نيلِ” مصرَ عشرَ سنواتٍ عجافٍ بالعملِ وسمانٍ بالإبداع، فصادقَ خيلَ “الفرسان” وتسنّمَ ذروةَ الأداءِ في “أرابيسك” و”ليالي الحلمية”، قبل أن يشدَّ الرحالَ كـ “سندبادٍ” فنيٍّ نحو تخومِ الشام، ليغرسَ بصمتهُ في تربةِ “البيئة الشامية” بـ “أداءٍ” لا يساوم، محلقاً بين دمشق وعمّان والرياض، حاملاً في جعبتهِ “تذكرةَ عبورٍ” لا تُزوّر: صدقُ الموهبةِ وعفةُ القلم.
في زمنِ “الكم” العابر، يقفُ آلان الزغبي اليوم كـ “سادنٍ” يحرسُ هيكلَ الدراما من الابتذال؛ يرى في تجاعيدِ الأداءِ ملامحَ الخلود، وفي محبةِ الناسِ صكَّ الغفرانِ الوحيد. لم يسرقِ الفنُّ منهُ عمراً، بل وهبهُ حيواتٍ سرمدية، ليبقى ذاك “الأكاديميَّ” الذي يفككُ عُقَدَ الروحِ قبلَ النص، والقديرَ الذي لا يملأُ المشهدَ بجسدهِ، بل يملأُ الذاكرةَ بأثره.
اليوم، وفي رحابِ “الرواد نيوز الدولية”، نفتحُ خزائنَ الذاكرةِ مع “آلان الزغبي”، لنقرأَ في عينيهِ حكايةَ وطنٍ، وتاريخَ فنٍ، وشغفَ إنسانٍ آمنَ بأنَّ العملةَ الوحيدةَ التي لا تبور هي.. الإخلاص.
س ١ : دراستك للفنون التمثيلية في فرنسا وضعتك أمام مناهج عالمية؛ كيف استطعت مواءمة هذه الأكاديمية الغربية مع طبيعة الشخصية العربية التي قدمتها في بداياتك؟
ج : الدراسه في فرنسا صقلت الأداة والتقنيه الدراميه بكل مندرجاتها لكن الروح بقيت عربيه. دراستي في فرنسا علمتني كيف افكك الشخصيه الدراميه وابنيها من داخلها وهذا ساعدني في تقديم الشخصية الدراميه العربيه بعمق إنساني بعيدا عن السطحيه لان المشاعر الانسانيه واحدة والاختلاف يكمن في طريقة الاحساس والتعبير عنها.
س ٢ : كنتَ من الأسماء اللبنانية القليلة التي اخترقت نسيج الدراما المصرية في عصرها الذهبي (ليالي الحلمية، أرابيسك)؛ ما الذي كان ينقص الممثل اللبناني آنذاك للوصول إلى تلك المنصات، وكيف فرض “آلان الزغبي” نفسه كخيار أول للمخرجين المصريين؟
ج : السر كان في صدق الأداء الأكاديمي. المخرجون الكبار مثل المخرج الكبير حسام الدين مصطفى الذي كان يبحث عن ممثل يليق بالدور بالشكل المناسب وكان من نصيبي ان التقي به في مبني التلفزيون المصري وهو أول من رشحني للعمل معه في مسلسل الفرسان بدور الملك لويس التاسع قائد الحملة الصليبيه إبان الحرب الصليبية على مصر وبعدها توالت مشاركتي في أعماله بأدوار أساسيه كمسلسل نابوليون بونابرت ومسلسل عصر الأئمه حيث فرضت نفسي بموهبتي من خلال الإلتزام الكامل باللهجة العربية الفصحى وإجادتي لركوب الخيل والمعارك الحربيه في الأعمال التاريخيه واحتضني المخرجون والممثلون الزملاء بحب كبير ومعاملة حسنه بالرغم من انني لم أكن من البيئة المصريه لكن عوملت كأنني من احد أبنائها.
س ٣ : حصرك المخرجون لسنوات في قالب “الرجل الأرستقراطي” أو “الضابط الحازم”؛ هل شعرت يوماً أن ملامحك كانت “قيداً” منعك من الذهاب نحو الشخصيات الشعبية أو المهمشة؟ وكيف كنت تكسر هذا النمط من الداخل؟
ج : الملامح قد تكون تذكرة دخول لنمط معين لكن الممثل الحقيقي هو من يكسر الملامح ويتعامل مع الشخصية الدراميه من خلال النظره والحركات الجسدية و انكسارات الرجل الأرستقراطي أو إنسانية الضابط الحازم ليثبت أن خلف كل ربطة عنق أو بدلة عسكريه قلباً ينبض أحيانا بالضعف وأحيانا بقوة الشخصيه وكيفية التعامل بالأدوات التمثيلية لهذه الشخصية.
س ٤ : بحكم نشاطك النقابي، كيف ترى واقع الممثل اللبناني “المخضرم” اليوم؟ وهل تنصف شركات الإنتاج جيلكم الذي وضع حجر الأساس لصناعة الدراما؟
ج : الممثل اللبناني المخضرم والمثقف درامياً هو بمثابة حارس الهيكل لأنه في بعض الأحيان لا يجد التقدير الكافي من شركات الإنتاج التي تلهث خلف الترند والشلليه. وجيل الممثلين القدماء وضعوا حجر الأساس والوفاء لهذا الجيل من المفترض أن يعامل باعطائه عطاء يليق بخبرته وتاريخه الفني وليس بمنة من منتج أو مخرج.
س ٥ : بعد هذا المشوار الحافل، إذا قرر آلان الزغبي كتابة مذكراته، ما هو الفصل الذي سيخصصه للمخرجين الذين “اكتشفوا” جوانب خفية في موهبته ولم يكتفوا بوسامته؟
ج : المخرج الذي لم ينبهر بالوسامة ولا بالإنتماء لمجتمع معين هو من يبحث عن تجاعيد الأداء وعن ملامح مناسبه ومتطابقه مع الشخصية الدراميه. هو من جعل من آلان الزغبي بصمة دراميه باقية في ضمير المشاهد.
س ٦ : يقال إن الفن يسرق العمر؛ ماذا سرق التمثيل من آلان الزغبي، وما هي القيمة الإنسانية التي منحها له كتعويض عن سنوات التعب؟
ج : الفن لم يسرق مني الاستقرار والهدوء بل منحني حيوات متعدده عشتها دراميا من خلال أدواري المتعدده والقيمة الانسانيه والحقيقه نلتها من محبة الناس واحترامهم لمهنتي وآدائي في العديد من الأدوار وهي العملة الوحيده التي لا تنخفض قيمتها مع مرور الزمن.
س ٧ : في أعمالك الأخيرة (مثل مشاركتك في رصيف الغرباء أو مرايا الزمن)، نلاحظ ميلاً نحو الشخصيات التي تحمل ثقلاً درامياً وتاريخياً؛ كيف تختار أدوارك اليوم في زمن أصبح فيه “الكم” يطغى أحياناً على “الكيف”؟
ج : في زمن الكم أبحث دائماً عن الدر الذي يترك أثراً لا ينسى مثل أول مسلسل شاركت فيه الدراما السورية بعد عودتي من مصر ( مسلسل عشتار ) إخراج المخرج المميز والصديق ناجي طعمه حيث ترك دوري في هذا المسلسل أثرا لم ولن ينسى ودائماً الناس يذكرونني بهذا الدور دور وجيه الخلال ودوري في مسلسل رصيف الغرباء إخراج وإنتاج المخرج إيلي معلوف وقتها طلبني لتمثيل دور البيك في منطقته رفضت الدور في البداية.
فقال لي الأستاذ إيلي معلوف: “أنت صديقي غالي وأنا أعتبرك عاموداً من أعمدة الشركة وهذا الدور صحيح هو دور البطولة في أول خمس حلقات لكن هذا الدور هو أساس ركيزة للمسلسل ولم أجد أحداً غيرك يقوم بهذه الشخصية كي يتعلق المشاهد بالمسلسل ويتابعه”. قرأت الدور ووجدت بأنه دور من اساسيات الخط الدرامي للمسلسل وأنا شخصياً أعلم جيدا بأن ليس هناك من دور صغير أو كبير هناك ممثل كبير يترك بصمته على مدى أحداث المسلسل.
وهناك ممثل ضعيف أو بالأحرى ليس دوراً ذو قيمة درامية وممكن أن يتواجد في جميع الحلقات ويمر مر الكرام دون أن يتذكره أحد من المشاهدين فقمت بتمثيل هذا الدور في الخمس حلقات بداية المسلسل ، وبقية شخصية الدور الذي مثلته يذكره المشاهدون على مر جميع الحلقات وترك الدور بصمة لا تنسى كما حصل معي في بداية مسيرتي الفنية أنني شاركت في مسلسل أرابيسك كتابة الكاتب الكبير أسامه أنور عكاشه وإخراج جمال عبد الحميد .
وكان هذا الدور خمس حلقات وفي كل حلقة مشهد واحد في نهاية أحداث المسلسل وعندما عرض المسلسل على شاشة التلفزيون المصري بدأ المشاهد المصري يسأل عن الممثل الذي مثل هذه الشخصيه حتى أن الأستاذ أسامه أنور عكاشه اتصل بي وقال لي ان عدداً كبيراً من أصدقائه سأله من أين أتيتم بهذا الممثل الرائع.
لأنه وقتها لم أكن معروفاً للجمهور المصري ، وكان أول ظهور لي في مصر ودوري الصغير في هذا المسلسل كان جواز سفر لي فتح لي أبواب بداية شهرتي في مصر وبعد هذا المسلسل عرض لي مسلسل الفرسان بدور الملك لويس التاسع قائد الحملة الصليبية على مصر من إخراج المخرج الكبير حسام الدين مصطفى ، وبعد ذلك اتصل مخرج مسلسل أرابسك المخرج جمال عبد الحميد وعرض علي دوراً أساسياً في مسلسل الحلم الجنوبي بمشارك العديد من نجوم الدراما المصرية .
وكان دوري هو الند للممثل الكبير والقدير صلاح السعدني وغيره من الممثلين مثل ، محمود الجندي ومعالي زايد وأحمد السقا كان في بدايته ، ومن بعدها توالت علي المسلسلات العديدة منها عصر الأئمة ومسلسل كلمات الذي مثلت فيه دورا أساسيا الأخ الأصغر للنجم حسين فهمي ومسلسل نابوليون بونابرت ومسلسل دمي ودموعي وابتسامتي مع النجمة شريهان.
كما كانت لي مشاركتي بالفيلم السينمائي جبر الخواطر مع المخرج عاطف الطيب وفيلم حائط البطولات إخراج المخرج محمد راضي مع عدد كبير جداً من نجوم الدراما المصرية يروي قصة حرب اكتوبر ولعبت دور الجنرال بارليف منشيء خط بارليف ، وكان لي ايضا المشاركة في بطولة المسلسل السعودي الوهم من إخراج تيسير عبود ، وعدد كبير من نجوم الدراما السعودية .
وامتدت اقامتي في مصر لمدة عشر سنوات ثبتت شهرتي في مصر وعندما انتهت الحرب اللبنانية عدت إلى لبنان كممثل مشهور وبدأت مسيرتي في الدراما اللبنانية وشاركت في بطولة العديد من المسلسلات اللبنانية والسورية والأردنية وآخر مسلسل لبناني شاركت البطولة فيه بدور رائع مسلسل سر وقدر عرض في شهر رمضان المبارك ، وشاركت مجددا في المسلسل العربي طريق البداية في مصر بطولة النجم العربي حسين فهمي وعدد كبير من نجوم الدراما المصرية والأردنية وانا من لبنان وكان من إخراج المخرج الأردني المميز والمبدع سامر خضر.
س ٨ : جسدت شخصية “أنور بيك” في “رصيف الغرباء” كضيف شرف، لكن حضورك كان محورياً؛ هل تؤمن بأن الممثل المخضرم يمكنه “سرقة الأضواء” حتى بمساحة دور صغيرة؟ وكيف توظف خبرتك في ترك أثر سريع لدى المشاهد؟
ج : نعم أؤمن بذلك تماماً شخصية أنور بيك في مسلسل رصيف الغرباء لم تكن مجرد ضيف شرف بل كانت رمزا للإقطاع والخبرة التي أكسبتها تجعل من المشهد الواحد لوحة تظل عالقة في ذهن المشاهد.
س ٩ : شاركت مؤخراً في أجزاء متقدمة من سلاسل شامية شهيرة (مثل باب الحارة أو طوق البنات)؛ كيف استطعت الحفاظ على خصوصية أدائك كممثل لبناني داخل نسيج “البيئة الشامية” المغرق في المحلية، دون أن يبدو حضورك غريباً عن السياق؟
ج : أنا من الممثلين اللبنانيين الذي يمتلك مرونة عاليه في أداء الشخصيات كمشاركتي في العديد من المسلسلات السوريه منها مسلسل باب الحاره الذي مثلت فيه دور الجنرال كلود الحاكم العسكري في دمشق إبان الحكم الفرنسي حيث كان بهذا الدور نكهة خاصة بعيده عن الأدوار الأخرى في المسلسل مع حرصي على إتقان اللغة الفرنسية واللغة العربية المكسّرة ، مع الحرص على إتقان الدور بروحه لا بمجرد جمل وكلمات تقال.
س ١٠ : نلاحظ أنك لا تزال تحافظ على “كلاسيكية الأداء” حتى في الأعمال المودرن؛ هل هذا قرار واعٍ منك للحفاظ على “هيبة” جيلكم، أم أن النصوص الحديثة هي التي تفرض هذا الإيقاع؟
ج : هو قرار واعٍ جداً الكلاسيكية لا تعني الجمود بل تعني الرقي في الآداء وعدم الإنزلاق خلف الإبتذال وافرض إيقاعي الخاص لأحافظ على الممثل الذي يحترم جمهوره.
س ١١ : كيف ترى جيل الشباب من الممثلين اليوم، وهل هناك نصيحة تقدمها لهم من واقع خبرتك الطويلة؟
ج : الشباب اليوم يمتلكون أدوات تقنيه مذهله لكن ما كان يميز جيل الرواد هو الصبر والشغف لهذه المهنة ودائماً أنقل خبرتي لأي ممثل أو ممثلة جديده تكون المشاهد فيما بيننا ، هذه عوامل جميلة وتعاون صادق في كواليس العمل.
س ١٢ : بعد تجاربك في الدراما العربية المشتركة وحضورك الذهبي في “مصر” أو “سوريا”، ما هو النص الذي قد يستفز آلان الزغبي للعودة إلى الساحة العربية بقوة “البطولة المطلقة”؟
ج : يستفزني النص الذي يحمل قضية إنسانيه بلباس عربي والبطولة المطلقة بالنسبة لي ليست بعدد المشاهد بل بأثرها الدرامي في العمل أنا اتمنى أن أمثل في عمل فني يجمع عمالقة ونجوم الفن من لبنان وسوريا ومصر ومن عدة بلدان عربيه وهذا يغني الدراما العربية ويقرب الممثلين من بعضهم البعض.
س ١٣ : ما هي الشخصية التي لا تزال تسكن مخيلة الآن الزغبي ولم تخرج للنور بعد؟ وهل تعتقد أن الدراما اللبنانية الحالية قادرة على كتابة نص “يفصّل” خصيصاً لممثل بقيمتك الفنية؟
ج : أتمنى أن يعرض عليي تمثيل شخصية تاريخية عربية لم تأخذ حقها درامياً بعد ، لأنني أحب الأعمال التاريخية وأجيدها بكل متطلباتها أنا عن الدرما اللبنانين تحتاج لجرأة في الكتابة والإنتاج ، لكي تأخذ حقها في التوزيع لجميع المحطات العربية، وبدأت في لبنان حاليا شركتان كبيرتان تقومان بانتاج ضخم ومميز ومشاركه نجوم عربيه لا بأس بها وتوزع وتشاهد في العديد من المحطات التلفزيونية وأتمنى أن تبتعد المحطات العربية عن عرض المسلسلات التركية المدبلجه. لأنه لدينا ممثلين لبنانيين وسوريين وعرب مبدعين لا يقلون خبرة وإبداع عن الممثلين الأتراك عسى أن تتكاثر شركات الإنتاج خصوصاً في لبنان وتنتج أعمالاً من بيئتنا وتشبهنا.
س ١٤ : كلمة أخيرة لصحيفة الرواد نيوز الدولية ولرئيس تحريرها الدكتور أشرف كمال ولجمهورية مصر العربية.
ج : بداية تحية لك من القلب سيدتي الإعلامية والصحفية الدولية والفنانة التشكيلية سلمى صوفاناتي ، وتحية من القلب لصحيفة الرواد نيوز والدكتور أشرف كمال ، ولمصر التي ستبقى هوليوود الشرق مع كامل تحياتي ومحبتي وتقديري.




































