القرّاء
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : قال رسول الله ﷺ ( خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود -فبدأ به- و أبي بن كعب ، و معاذ بن جبل ، و سالم مولى أبي حذيفة )
معاذ بن جبل رضي الله عنه
وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل
عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال ﷺ : ( نعم الرجل أبو بكر ، نعم الرجل عمر بن الخطاب ، نعم الرجل معاذ بن جبل ).
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : من أراد الفقه فليأتِ معاذ بن جبل.
في ليلة مشهودة يتسلل كوكبة مضيئة من الأنصار رضي الله عنهم بين خيام منى تسلل القطا ، يتلفتون وكأنهم يسرقون الإيمان سرقة ، يتوجهون إلى العقبة . لماذا؟ لمقابلة النبي ﷺ . من أجل البيعة. ويلتقي هذا الصحب الكريم بالنبي ﷺ ، ويقولون له : على ما نبايعك يا رسول الله؟ فيقول الحبيب ؟كما ورد في حديث جابر بن عبد الله ، فيقول ﷺ: تبايعوني على السمع والطاعة في المنشط والمكره ، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم ، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب ، وعلى أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأبناءكم وأزواجكم ولكم الجنة ). فيقول البراء بن معرور رضي الله عنه كما في حديث كعب بن مالك رضي الله عنه : [ والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أسرنا ، فبايعنا يا رسول الله فإنا والله أهل الحرب وأهل الحلقة ، ورثناها كابراً عن كابر ].
قال أبو الهيثم بن التيهان رضي الله عنه للحبيب ﷺ: [ يا رسول الله! إن بيننا وبين القوم – أي: اليهود حبالاً- وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن أظهرك الله جل وعلا أن
ترجع إلى قومك وتدعنا ].
فقال النبي ﷺ : ( بل الدم الدم ، والهدم الهدم ، أنا منكم وأنتم مني ، أسالم من سالمتم وأحارب من حاربتم ) . فقال البراء بن معرور : [أبسط يدك يا رسول الله نبايعك ] وبسط الحبيب يده الكريمة ، يمينه المباركة ، وامتزجت القلوب والأيدي في مهرجان حب وولاء لم ولن تعرف البشرية له مثيلاً ، لتبايع النبي ﷺ بيعة العقبة الثانية ومن بين هذه الأيدي الكريمة تمتد يد صغيرة وضيئة لشاب كريم المحيا، براق الثنايا، يبهر الأبصار بهدوئه وسمته ، فإذا ما تكلم ازدادت الأبصار انبهاراً وتقديراً وإجلالاً واحتراماً. إنها يد مقدام العلماء ، و إمام الحكماء ، وسيد الدعاة والأتقياء ، إنها يد القارئ القانت. إنها يد معاذ بن جبل .
ثناء النبي ﷺ والصحابة على معاذ
إنه معاذ بن جبل الذي لو وقفنا مع تاريخه لبكينا دماً بدل الدمع خجلاً وحياءً على ما قدمناه لديننا
قصة حياة عجيبة ، قصة كفاح رهيبة في سنوات قصار ، قال عنه فاروق الأمة عمر رضي الله عنه ، )رواه الحاكم في المستدرك وأقره الذهبي، بل وصححه الحافظ ابن حجر في الفتح( يقول عمر رضي الله عنه، من أراد الفقه فليأتِ معاذ بن جبل البخاري{
ومن حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: قال رسول الله ﷺ )خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود – فبدأ به – وأبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وسالم مولى أبي حذيفة ( البخاري ومسلم) خذوا القرآن من معاذ، من هذا الشاب الصغير الكبير العظيم
بل ويذكر النبي ﷺ معاذاً يوماً مع الصحابيين الجليلين الكبيرين العظيمين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والحديث رواه الترمذي وحسنه، ورواه ابن حبان وصححه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، يقول ﷺ نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر بن الخطاب، نعم الرجل معاذ بن جبل، وخذوا قولة ابن مسعود الخالدة، وروى بعضها الإمام البخاري تعليقاً [قرأ ابن مسعود رضي الله عنه يوماً: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ} [النحل:١٢٠ ثم قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن معاذ بن جبل كان أمة قانتاً لله، كان يعلِّم الناس الخير، وكان مطيعاً لله ورسوله إن معاذاً ابن الثلاثين كان أمة، ابن العشرين كان أمة
معاذ بن جبل والدعوة إلى الله
لما جاءت رسل ملوك اليمن في أوائل العام العاشر، بعد عودة النبي ﷺ عليه وسلم من غزوة تبوك، وطلبوا من رسول الله أن يرسل معهم من يعلمهم دينهم، ومن يفقههم في إسلامهم، وهنا وقعت عين النبي ﷺ على الداعية العظيم، على القارئ القانت، والمحب الثابت، على الفقيه العلم، على
الشاب ابن العشرين أو ابن الثلاثين، على معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه، يرسله النبي صلى الله عليه وسلم أميراً للدعاة في اليمن ليدعو إلى الله جل وعلا
يخرج النبي ﷺ بنفسه مع معاذ بن جبل ، ويمشي النبي ﷺ بجانب راحلته، ومعاذ راكب ويوصيه ويبذل له الوصايا التي تتناثر من فيه كحبات اللؤلؤ، ليرسم له الطريق، ويحدد له المنهج للدعوة الصحيحة التي ينبغي أن يسير على منوالها كل داعية صدوق، فيقول له : يا معاذ! إنك تأتي قوماً أهل كتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله جل وعلا قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). البخاري ومسلم
ويمضي البطل، ويمضي الفقيه الشاب بهذه الوصايا الغالية في قلبه وفؤاده وعقله وبين جوانحه ليسير عليها ولا يحيد عنها قيد أنملة، ويودعه النبي ﷺ وداعاً مؤثراً بعد أن مشى ﷺ طويلاً مع معاذ وكأني والله أحس أن النبي ﷺ إنما أراد أن يملأ عينه من معاذ، فطال النبي ﷺ في مشيه مع معاذ، وأخيراً نظر إليه وقال: (يا معاذ! عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري) وانفجرت الدمعات وانحدرت على وجنتي معاذ كحبات لؤلؤ، بكى رضي الله عنه، يخبره أستاذه وحبيبه بأنه قد لا تكتحل عينه بعد اليوم برسول الله ﷺ ، ويبكي معاذ بل ويبكي بكاءً طويلاً، ويأمره النبي ﷺ أن يكف عن البكاء، وإيه والله بأبي هو وأمي، انطلق معاذ بن جبل وما عاد إلى المدينة إلا بعد أن مات الحبيب ﷺ: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم3-4.
معاذ بن جبل والجهاد في سبيل الله
ويرجع معاذ بن جبل إلى المدينة لأول مرة حتى لا يرى فيها أستاذه ومعلمه وحبيبه، يمر على قبر أستاذه ومعلمه ووالله إني لأحس بحالة معاذ حينئذٍ يوم دخل المدينة أول مرة .. يوم دخل المدينة ليقف أمام قبر النبي ﷺ ، بعد أن تركه بالأمس القريب يكلمه ويحدثه، وينظر معاذ إلى خليفة رسول الله ﷺ ، إلى أبي بكر رضي الله عنه ويستأذنه ألا يقيم في المدينة ، وأن يرجع على الفور إلى بلاد الشام ليجاهد في سبيل الله، لعل الله عز وجل أن يرزقه الشهادة.
وفاة معاذ بن جبل نام معاذ بن جبل ذلكم الشاب الوضيء الكريم المحيا، البراق الثنايا، الفقيه العلم، نام على فراش الموت في الثالثة والثلاثين من عمره، وينظر إلى أصحابه من حوله ويقول: انظروا هل أصبحنا؟ فيخرجون ويقولون: كلا. فيسألهم مرة أخرى: انظروا هل أصبحنا ؟ فيرجعون ويقولون: نعم لقد أصبحنا ، فيقول معاذ بن جبل: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار
أسلم في الثامنة عشرة، وهاهو الآن يسلم الروح إلى خالقها جل وعلا في الثالثة والثلاثين، حياته كلها شرف، كلها فخر، كلها عزة ، كلها طاعة ، ينام على فراش الموت ، ويقول : مرحباً بالموت مرحباً، زائر جاء بعد غيبة، وحبيب جاء على فاقة ، ثم قال: اللهم إنك تعلم أني كنت أخافك ولكني اليوم أرجوك ، اللهم إنك تعلم أنني لم أحب الدنيا لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات ، ومزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر. وفاضت روحه الطاهرة ليلقى الأحبة محمداً وصحبه ، رضي الله عن معاذ
جمعه ونقحه
أبو الندي
محمود فوزي الموجي




































