بقلم/ طارق محمد حسين
هيبة المدرسة ليست ترفا ...
بحكم خبرتي بمجال التربية والتعليم لأكثر من خمس وثلاثون عامًا في المجال التربوي، أؤكد أن ما يواجهه اليوم العاملين بالمؤسسات التربوية التعليمية موقف لا سبق له ، فقد تحوّل الاستهانة بالمؤسسات التعليمية إلى نمط سخيف متكرر ، وهذا يكشف عن خللًا في فهم توزيع الأدوار بين البيت والمدرسة، فبعد أن كان ولي الأمر متضامن مع المعلم في تقويم سلوك الطالب ، فقد انقلب الوضع ، ولم يعد الأمر يقتصر على انزعاج بعض أولياء الأمور من محاولات ضبط سلوك أبنائهم ، أو إلزامهم بأبسط قواعد الانضباط كاحترام مواعيد الحضور والطابور الصباحي والزي والمظهر العام ، بل تجاوز ذلك في بعض الحالات إلى التهديد بتقديم الشكاوى للجهات الأعلى، وكأن قيام المدرسة بواجبها المهني والتربوي تجاه الطالب أصبح جريمة تستوجب المساءلة والعقاب ، والسؤال الجوهري: ماذا يريد أولياء الأمور من المدرسة؟ وماذا يريد المجتمع من المدرسة؟
هل يراد مدرسة بلا نظام؟ أم تعليمًا بلا مخرجات أوانضباط؟ أم نجاحًا شكليًا وهميا يخلو من أي قيمة تربوية حقيقية؟، إن المدرسة حين تُلزم الطالب بالحضور في موعده ، أو تعترض علي مظهره العام أو تحاسبه على تقصيره ، فإنها بذلك لا تقصد التعسف ولا تتعمد الإيذاء، بل تقوم وتمارس دورها الأصيل الذي اسنده إليها المجتمع في تربية النشءقبل التعليم، فبناء الإنسان لا يتحقق بالتغاضي عن الأخطاء ، ولا تُغرس القيم في بيئة يغيب عنها الالتزام، لكن الأخطر من ذلك كله، هو الرسالة غير المباشرة التي تصل إلى الطالب فحين يرى أن أسرته تقف في صفه في مواجهة المدرسة، وتشكك في إجراءاتها ، وتُهوّن من قيمة النظام والانضباط، فإنه يتعلم دون أن نشعر أن الالتزام أمر قابل للتفاوض، وأن المسؤولية يمكن التملص منها، إن حق الشكوى مكفول حين
حين تكون بحق، ولا يوجد من هو فوق المساءلة ، فالمدرسة ترحب بكل الآراء والمقترحات الموضوعية التي تثري العملية التعليمية، لكنها ترفض أن تتحول محاولات التقويم وإعادة الانضباط والنظام إلى ساحة تهديد وصراع ، أو أن يُنظر إلى الانضباط باعتباره خصومة.
وإننا نقولها بوضوح ومسؤولية: إن الاستمرار في إضعاف دور المدرسة، والتقليل من شأنها، سيؤدي حتمًا إلى نتائج يدفع ثمنها المجتمع كله. فالثمرة لا يمكن أن تنضج في بيئة مضطربة، ولا يمكن لجيل أن يستقيم إذا تربى على التسيب.
وعندها، لن يكون ما نحصل عليه إلا انعكاسًا لما زرعناه بأيدينا…
بضاعةٌ رُدّت إلينا، ولكنها حين تعود لن تكون كما تمنّينا، بل ستكون باهتة القيمة، ضعيفة الأثر.
فلنُدرك جميعًا قبل فوات الأوان أن هيبة المدرسة ليست ترفًا، بل ضرورة… وأن الانضباط ليس خيارًا، بل أساس لبناء مجتمعٍ سليم.
بقلم/ طارق محمد حسين





































