هل النجاح حظّ أم صناعة؟
د. محمد عبد العزيز
السودان
يظلّ سؤال النجاح واحدًا من أقدم ما شغل بال الإنسان: هل هو ملك للحظوظ العابرة، تتهادى علينا كما تهب الرياح؟ أم هو ثمرة جهد، وصناعة فكر، وانضباط إرادة، تتكوّن ببطءٍ وتثبت بالعمل؟ وكثيرًا ما نجد النفوس تميل إلى القول بالحظ، لأنها تبحث عن اختصار الطريق، وعن سبب خارجي يُسند إليه فشلها، أو يُبرّر لها تأخّرها، بينما الحقيقة كما تظهر لكل من نظر بعمق أن النجاح ليس حدثًا عشوائيًا، ولا هبةً تصيب الإنسان صدفة، بل هو مسار طويل، يُصنع بالمعرفة، والكدّ، والوعي، والمثابرة.
إن الحظّ بلا استعداد لا قيمة له، وكثير من الناس يظنونه سببًا حين يلتقطه آخرون، وهو في الحقيقة ثمرة استعداد باطنٍ سبق الظاهر. فمن يزرع الأرض لا يحصد إلا إذا أُحسن الزرع والسقي، ومن يعدّ نفسه للأيام لا يضيع جهده. فالنجاح حتى حين يبدو كصدفة لم يكن ليأتي إلا لمن أعد نفسه لاستقباله. فالحظّ ليس سوى نافذة، والنجاح هو البيت الذي بنى صاحبه أركانه قبل أن يُفتح له الباب.
ومن جهة أخرى، لا يمكننا إغفال دور العمل والصناعة. فالمهارة تتكوّن بالتكرار، والخبرة تنضج بالمعايشة، والتخطيط يُؤتي ثماره بالصبر والمثابرة. ومن أراد النجاح دون عمل، صار كمن يطلب أن تنبت الشجرة بلا زرع، أو أن يُصنع البناء بلا أساس. فالنجاح صناعة مستمرة، تتطلب معرفة الطريق، وإتقان الأدوات، والتصدي للمشكلات، وتجاوز العثرات، ولا يُدرك إلا بالوعي الكامل لكل خطوة يُخطوها الإنسان.
ومع ذلك، ليس النجاح مسارًا خاليًا من المجهول. فالحياة نفسها تحوي عناصر لا يتحكّم بها أحد: ظروف، ناس، أوقات، أقدار. وهنا يظهر الحظ في صورته الواقعية: ليس سببًا وحيدًا، ولا حكمًا نهائيًا، بل عامل مؤثر، قد يسهل الطريق أحيانًا، أو يثقل الخطو أحيانًا أخرى. ومن يبالغ في نسب كل شيء إلى الحظّ، يظلم نفسه، ويُضعف إدراكه لقدراته، ويجعل من كل عقبة سببًا لليأس، ومن كل فرصة مصادفةً لا جدوى لها.
ثم إن النجاح ليس نتيجة فعل وحيد، بل تراكم سلسلة من القرارات الصحيحة، والمحاولات المستمرة، والمراجعات الدائمة، والقدرة على التعلم من الفشل. وكل عنصر من هذه العناصر هو صناعة بحد ذاته، وإن لم يكن ظاهرًا في اللحظة. فالإنسان الناجح ليس من لم تصبه الرياح أبدًا، بل من عرف كيف يستفيد من كل نسيم، ومن كل عاصفة، ليصنع مسارًا يوصله إلى هدفه.
ومن أعظم ما يُميز صناعة النجاح، أنها تعلّم الإنسان الاعتماد على ذاته، واكتساب الصبر، وفهم قيمة الوقت، وإدراك أن كل خطوة مهما صغرت، تُقرّب من الهدف إذا ما وُضعت على أساس صحيح. أما الحظّ، فهو يضيف للمسيرة سرعة أحيانًا، ولكنه لا يبني الأساس ولا يصنع البناء. ومن أحسن توظيفه، صار رافعة، ومن أهمله، لم يُحدث فرقًا.
وخلاصة القول، أن النجاح ليس حظًّا بحتًا، ولا صناعة صرفه، بل هو مزيج ذكي من الاثنين: صناعة متقنة، وحظّ مستعدّ لاستقباله. ومن اعتقد أنه يعتمد على الحظّ وحده، فقد يضل الطريق، ومن ظن أنه وحده يخطّط ويصنع، فقد يجهل الفرص التي تمرّ أمامه. ولكن من عرف الطريق، وأعد نفسه، واصطاد الفرص، وعمل بجدّ، صار له النجاح نصيبًا، ولو مرت الأقدار بما تشاء.
فالنجاح في جوهره صناعة الإنسان لنفسه، وحظّ الزمن له، ووعي المرء بما لديه، وقدرته على استثمار كل ما يمرّ به. ومن فهم هذا، صار يختار العمل قبل أن ينتظر الفرص، ويصنع قدره قبل أن يلقاه، ويعرف أن الإنجاز لا يأتي صدفة، بل يُستحقّ كل يومٍ يُبذل فيه جهد.




































