بقلم … عايدة قزحيّا
في عيدِ ميلادي هٰذا العام،
لا أحتفِلُ بمُرورِ سَنَةٍ وحَسبُ،
بلْ أحتفِلُ بِنُضجٍ ازْدادَ،
وبصِيرَةٍ اتَّسعَتْ،
ووَعيٍ صارَ أهدَأَ وأعمقَ.
ذاكِرَتي أصبحَتْ أكثرَ وفاءً لحِفظِ الأصدقاء،
وقلبِي صارَ فَنَّانًا يُبدِعُ نَحْتَ الوُجُوهِ الجَمِيلَةِ الرُّقيَّ في داخلِهِ.
وصِرتُ أرى الجاهِلينَ أطفالًا،
يُثِيرُونَ ضَحِكي حينًا، وشفَقَتي حينًا آخرَ.
ازْدَدْتُ ثِقلًا في مكاني،
ولَمْ أتحوَّلْ إلى رِيشةٍ في مَهَبِّ رِياحِ المُتطَفِّلِينَ على حضارَةِ الحضارة.
ما زِلتُ صَخرًا ثابتًا،
والماءُ يَدُورُ حَوْلِي، ولا يجري مِنْ تَحتي.
ازْدَدْتُ ثَقافَةً في الثَّقافَةِ،
وخِبرَةً في التَّجاربِ،
وها أنا أَجمَعُ حَصادي،
أعْصِرُ فكرِي وسنواتي،
لِأَروِيَ بها عَطَشَ مَنْ حَولي.
وقد نَضَجَ فِيَّ وَقارٌ، حصَدتُهُ مِنْ هَيبَةِ الصَّرحِ التَّعليميِّ،
حيثُ القُدوَةُ مَسلَكٌ واتِّزانٌ.
ورغمَ تَرَاكُمِ السِّنِينَ، ووقارِ الفكرِ،
بَقِيَ فِيَّ شَغَفُ طِفلٍ لَمْ يَرَ في حياتِهِ شيئًا بعدُ، ويُصِرُّ أنْ يعيشَ أَحلامَ كُلِّ العُصُورِ..
شُكرًا لِكُلِّ مَنْ عايَدَني…
شُكرًا لِكُلِّ كلمةٍ صادِقَةٍ، ولِكُلِّ قَلبٍ تَذَكَّرَني.
إنَّ وجُودَكُمْ في حياتِي ليسَ قِطارًا عابِرًا، وليسَ كَسْرًا مِنْ أرقامٍ حِسابيَّةٍ،
بلْ هُوَ كُلُّ مَعنَى وُجُودِي.
أتمنَّى في عيدِ ميلادي
أَنْ أبْقى كما أنَا، مُحافِظَةً على رباطَةِ جأشي،
وصَبري،
وسِعَةِ صَدري في اسْتِيعابِ الآخَرِ،
فأبقى ذٰلكَ الوِعاءَ الواسِعَ
الَّذي يَتَّسِعُ لِلجميعِ،
دُونَ أنْ يَضِيقَ بِنَفْسِهِ،
يَحمِلُهُمْ بِحُبٍّ،
ولا يَنُوءُ بِعِبءِ تَشَتُّتِهِمْ، وتَشَبُّثِهِمْ، وتَصَحُّرِهِمْ، وتَصَخُّرِهِمْ.
وأَشكُرُ اللهَ
على نِعمةِ الوَعْيِ، والتَّسامُحِ،
وعلى قناعَةٍ تُطَمْئِنُ الرُّوحَ،
ورِضًى يَغمُرُ القَلبَ.
أشكُرُهُ
على اكْتِفاءٍ نَفسِيٍّ
يجعلُني لا أفتَقِرُ إِلَّا لِنعيمِ قُربِهِ عزَّ وجلّ، وعلى كِفايَةٍ مادِّيَّةٍ
تَصُونُ كرامَتي بِهُدُوءٍ.
أتمنَّى أنْ يُنشرَ السَّلَامُ فِي وطني لبنانَ، وفي العالَمِ كُلِّهِ، وفي نُفُوسِ البشرِ أجمَعينَ،
كما زَرعَهُ اللهُ في نفسِي،
حتَّى باتتْ جَنَّةَ عَدَنٍ.
أتمنَّى ألَّا تُفْقِدَني الحياةُ
هٰذهِ اللِّيُونَةَ في طبعي، والصَّفاءَ في قلبي،
ولا هٰذا الثَّباتَ الَّذي يَسكُنُنِي، وأنْ أبقى كما أُحِبُّ أنْ أكونَ..
كمْ تَتُوقُ نَفسي إلى عالَمٍ مِثاليٍّ!
وتحلمُ أنْ يَتحوَّلَ وطني
إلى مدينةٍ فاضِلَةٍ.
لأَنَّ مَنِ امْتلَكَ السَّلامَ في داخِلِهِ، حَكَمَ العَالَمَ خَارِجَهُ.
كُلُّ عامٍ وأَنا وأنْتُمْ بِألفِ خيرٍ.
بقلم … عايدة قزحيّا




































