من محمد الدرة إلى حبل المشنقة… هل تغير المشهد أم تغير المصير؟
بقلم د. عيسى الموسوي
قبل أكثر من عقدين، كان العالم كله يحدّق في شاشة واحدة، طفل صغير يحتمي بظهر أبيه يرتجف من الخوف بينما الرصاص يتطاير من كل اتجاه. لم يكن يعرف لماذا كل هذا الموت، وكان الأب يلوّح بيده ويصرخ، والكاميرا توثّق المشهد بلا توقف. وفجأة، وسط صوت الرصاص، صرخ المصوّر: “الولد مات”، وسقط محمد الدرة في حضن أبيه. وفي تلك اللحظة لم يسقط طفل فقط، بل سقطت إنسانيتنا وسقطت براءة العالم كله.
ذلك المشهد الدموي لم يغادر ذاكرة العرب، خرج الشارع غاضبًا وامتلأت الساحات بالمظاهرات، وأعاد الإعلام بث اللقطة مرارًا حتى أصبح الدرة رمزًا خالدًا للقضية الفلسطينية، أيقونة لم تختزل مأساة فلسطين فقط، بل مأساة العرب أجمع.
اليوم، استيقظت على خبر أذاعته نشرات الأخبار صباحًا يفيد بأن الكيان الصهيوني أصدر أحكام إعدام بحق عشرة آلاف أسير فلسطيني، بينهم 350 طفلاً و66 امرأة. شعرت بالصدمة ووجدت نفسي أسترجع المشهد نفسه، نفس الألم ونفس القصة، لكن بوجه مختلف. لم يعد طفل خلف برميل، بل إنسان خلف القضبان، لم تعد رصاصة طائشة، بل حكم مكتوب، مصير واضح ومعلن لعشرات الآلاف من الأبرياء.
تساءلت: هل نسينا محمد الدرة؟ أم أن الذاكرة أصبحت أقصر مما يجب؟ أين الضمائر؟ أين الإنسانية؟ هل تعبنا من الألم أم اعتدنا عليه؟
يوم سقط الدرة لم يكن الحدث عابرًا، كان صرخة أيقظت الشارع العربي، وكانت لحظة اتفق فيها الجميع على أن الدم لا يمكن أن يمر بصمت. أما اليوم، فيبدو أن الصمت أصبح أثقل من الصوت، ليس لأن المأساة أقل، بل لأن التفاعل أقل، وكأننا مع مرور الوقت لم نعد نغضب كما كنا، ولا نصرخ كما ينبغي. ليس عتبًا قاسيًا، بل سؤال مؤلم: أين ذلك الغضب الذي ملأ الشوارع يومًا؟ أين تلك الأصوات التي كانت لا تهدأ؟ هل تغيّرنا أم أن الوجع نفسه لم يعد يكفي؟ ربما لم تختفِ القضية، بل اختفى الشعور بها.
ما يحدث اليوم ليس مشهدًا جديدًا، بل امتداد طويل لقصة قديمة، قصة تبدأ برصاصة ولا تنتهي عند حكم، من حضن الأب إلى زنزانة الأسير. يبقى السؤال ذاته: كم مرة يجب أن تتكرر الحكاية حتى نصدّق أنها لم تنتهِ بعد؟
محمد الدرة لم يكن النهاية، بل كان بداية ذاكرة، ذاكرة تختبرنا اليوم لا بما نراه، بل بما نشعر به. فإن كنا قد بكينا يومًا طفلًا، فلا يجوز أن نصمت اليوم أمام مصير عشرة آلاف أسير فلسطيني، بينهم 350 طفلاً و66 امرأة، لأن القصة ببساطة لم تتغيّر كثيرًا…
نحن فقط من تغيّر



































