المال، الحرب والسلام
أيديولوجيا الحرب وفلسفة السلام
بقلم الشاعرة والمترجمة اللبنانية-البرازيلية
تغريد بو مرعي
الحرب نقيض السلام؛ فالسلام نعمة للإنسانية، بينما الحروب لعنة. فإذا كان السلام حبًا وتعايشًا، فإن الحروب عداوة وانقسام.
على مرّ الزمن، أنهكت الحروب والصراعات جميع الأمم، وأحاطت بالإنسان والحجر والشجر، غير آبهة بأن كل شيء يتلاشى تدريجيًا حتى يصل إلى حدّ الفناء.
أما السلام، فتقوم عليه مبادئ أساسية مثل السيادة، والحريات، والحقوق، والاحترام، والحوار، والتعاون بين الشعوب والثقافات، ورفض القوة وإكراه الناس على اتخاذ خيارات ضد إرادتهم.
لذلك، يطمح الجميع إلى سلام يؤمّن لهم حياةً مريحة يحققون فيها أحلامهم دون خوف من الطائرات الحربية أو الصواريخ أو الأسلحة النووية. فمثل هذه الأمور ترعب الكبار والصغار على حد سواء، وتسحق الطفولة، وتدمّر كل شيء، من المنشآت إلى الحضارة والإرث التاريخي للأمم.
إن الأديان السماوية هي الأكثر دعمًا للسلام، إذ تدعو إلى المحبة والرحمة والأخوّة والمودّة لبناء مستقبل مشترك بين جميع الناس، بمختلف أعراقهم وأجناسهم.
لذلك، يُعدّ السلام أمرًا بالغ الأهمية في الحياة اليومية للأفراد، فالإنسان خُلق ليعيش بسلام في أمن وطمأنينة، ولم يُخلق ليُقتل أو يُفنى. وما يمكن تحقيقه في أزمنة السلام يفوق بكثير ما يمكن تحقيقه في الصراعات الدموية والحروب والكوارث الإنسانية.
إن الاستقرار النفسي مهم للإنسان، فإذا فقد الإنسان طمأنينته، فقد قدرته الذهنية على العطاء، إذ تُعدّ الحروب والدمار عائقًا في طريق تطور الإنسان. وبالتالي تُغلق أمامه كثير من إمكانيات الحياة، سواء العلمية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، مما يؤثر عليه فرديًا، وينعكس بدوره على المجتمع والدولة…
إن غياب السلام والأمن وانتشار الحروب يمتدّ أثره ودماره إلى ما هو أبعد مما يمكن تصوره؛
فالحيوانات تتضرر وتفقد موائلها وبيئتها، والأشجار والنباتات التي تفيد الإنسان والحيوان تُحرق، وتُدمّر الموارد.
كما أن الأثر السلبي على البيئة الناتج عن الحروب يتجلّى في التلوث الناتج عن قصف المواقع الصناعية، وتدمير الموارد الطبيعية، وخراب البنية التحتية، وبقايا العمليات العسكرية.
إضافة إلى انهيار الأنظمة الإدارية المعنية بالحفاظ على البيئة، تنشغل الحكومات بعد الحروب بإيواء الناس وإطعامهم وإعادة بناء الدولة. فتتجه الموارد المالية إلى هذه الجوانب، وكل ذلك يتطلب أموالًا طائلة تعجز الدولة عن توفيرها، فتقع في حالة عجز، فضلًا عن الأمراض النفسية والاضطرابات التي تصيب الأفراد بسبب الحروب، مثل أمراض القلب والمعدة، والاكتئاب، والهستيريا، والرُهاب، والقلق…
إن السلام يحمي الإنسان من الأمراض الجسدية والنفسية، ولهذا فهو مهم جدًا لجميع الكائنات الحية، ولا يقتصر أثره على الإنسان وحده. فالسلام يمكّن الشعوب من التعلّم واكتساب الثقافة ونشرها، وبناء الحضارات، والتقدم اقتصاديًا واجتماعيًا وماليًا؛ فالبناء لا يكون إلا في ظلّ الأمن والسلام.
كما يجعل السلام الناس أكثر وعيًا بخطورة الانخراط في الحروب والانشغال بها وبمتطلباتها وآثارها عليهم، والتي قد تكلّفهم حياتهم، في سبيل هذا الغرور البشري لدى تجّار الحروب، الذين تكون مصلحتهم في إشعالها واستمرارها لأطول فترة ممكنة لزيادة أرباحهم من الأسلحة والذخائر، وبالتالي تضخم جشعهم وثرواتهم.
إن الحرب تُخرج أسوأ ما في الإنسان وتعزّزه لصالح الشر، وتدمّر الإنسانية، بينما يقدّم السلام أسمى المبادئ، ويحفّز الناس على الإبداع، ويزيد من الجمال والإنتاجية، على عكس الحروب التي تُنتج الدمار والخراب والفساد والانهيار الاقتصادي والمالي.
يرتقي السلام بالإنسان إلى آفاق روحية أسمى، ويشجّع على نشر الطمأنينة والسكينة بين الناس، مما يقربهم من بعضهم في محبة وتعايش،
بينما تفرّقهم الحروب، وتقطع نسلهم، وتفنيهم.
فالسلام يرفع الإنسانية إلى مستوى الوجود الاجتماعي المتحضّر، في حين تدفع الحروب بالبشر إلى الانحدار نحو الهمجية.




































