مدينة تحت وجوهنا
نخرج كلّ صباح
كأنّنا ورثة الفجر
نُلمِّعُ ملامحنا بعناية
ونُخبِّئُ ارتباكنا
في جيوب الكلمات العابرة
نمرُّ خفافا
فوق احتمالات الغرق
كأنّ الماء لم يتعلّم أسماءنا
ولا مرّت بنا أعماقه ذات اعتراف
ولا تعلّمت صدورنا ثقله الخفيّ
وفي القاع الّذي نُنكره
تقوم فينا مدينة أخرى
شوارع مكسورة
ونوافذ لا تُفتَحُ إلاّ من الدّاخل
مدينة تحفظ وجوهنا
وتحبسها عن الخروج
كي تبقى ملامحنا
أسيرة أسرارها
نحن لا نسقط دفعة واحدة
بل نتشقّق بصمت
نتوزّع على غياب صغير
يتسلّل في التّفاصيل
في ” لابأس ” الّتي لا تُشبهنا
في كلمة لم تُقل
في دمعة ارتدّت إلى العين
في يد امتدّت لأنفسنا
ثمّ تراجعت خجلا
في قلب يؤجِّلُ نفسه
مرّة أخرى…..وأخرى
نَصيرُ أخفَّ مِن أن نُرَى
وأثقلَ من أن ننجو
نحن سلالة الصّابرين حتّى التّلاشي
نحملُ وجعنا
كما تحمل الأرض أسرارها
ونمنحه أسماء لائقة
نكسوه بصمت وابتسامة
كي يظلّ ظلّنا
و لا نفقد تعريفنا الوحيد
وبوقار يُخفي شقوقه
وبهدوء يشبه الطّقوس
نمضي مطمئنّين
إلى وهم صدّقناه
ومنحناه شرعيّة الوجود
نمضي ..
في غفلة من القلب
إلى كذبة اتقناها
كانّ الألم قدر نهائيّ
وكأنّنا خلقنا لنكون أوعية للخذلان
في العتمة الّتي لا تصلها الأعين
يرتعش كائن قديم
نصفه ذاكرة …ونصفه احتمال
ينتظر شرخا واحدا
ليُعلِن نفسه
لا كنجاة
بل كحقيقة تأخّرت كثيرا
لا تثقوا بثباتنا
فبعض الوقوف
مجرّد حيلة أخيرة للسّقوط
وبعض الصّمت
امتلاء لايحتمل الصّوت
أمّا أنا
فلا أطوف وجوه البشر
أنا أسمع صمت ما تحتها
إلى ذلك الإرتجاف الخافت
الّذي يختبئ في الدّاخل
حيث لا كلمات
ولا صدى
ولا يقين
حيث يتوارى الإنسان
وكأنّ ظهوره نهاية لا تٌحتمَل
أو خوفا من أن تهمس له المرآة
بما لم يتجرّأ على سماعه
منية نعيمة جلال
تونس




































