كانت جدّتي تدور من حُجرةٍ لحُجرة لتجمعَ ضحكاتنا
و تدّخرها في قلّة الفخّار
تحسّبًا لبرد الشّتاء و طول أحزانه.
لم يكن عندنا ما يكفي من الدّهان أو اللّحم المُقدّد،
لكنّ جدّتي كانت تحفظ لي “بايي”* من الفرح،
فتصعدُ الضّحكة من فمي مثل دخانٍ من كانون
و تنتشرُ على كامل البيت.
كان جميعُ من في البلدةِ يعرف بيتَ جدّتي
من صوته،
من حُنجرتهِ الإسمنتيّة و هي تتقشّرُ من السّطح
مثل قهقهاتٍ عالية.
عند الغداء، تقفُ جدّتي أمام فرن الطّين،
تقسّمُ قلبها بالعدل
بيني و بين إخوتي،
ثمّ نمصّ أصابعنا جيّدًا
حتّى لا يظلّ شيءٌ عالقًا من حبّها.
قلّما ٱمتلأت مائدتنا بالطّعام،
لكنّ جدّتي كانت تدخلُ البيت بقُفّةٍ من الأدعية،
فنظلّ نحسبُ حصيلةَ كلِّ واحدٍ من رضاها.
حتّى أطفالُ الحيّ كانوا يتسلّقون جلبابها
و يتعاركون على ما يتساقط من فمها من خير
مثل حبّاتِ اللّوز الأخضر.
تحريكةٌ واحدة من شفتيْ جدّتي كانت تكفي
لننسى الجوع
و ننام و قلوبنا لزجةٌ بالطّراوة.
تجلسُ جدّتي كلّ ليلة
و صينيّةُ أيّامنا في حِجرها،
تُنقّي منها المصائب
كما تنقّي الشّوائبَ من بذور الكتّان.
ثمّ يطلعُ النّهار من بيتها بكلّ بساطة
هكذا مُشعًّا بالاحتمالات،
عامرًا بأصابعها.
ككلّ الأطفال، كنّا نملُّ سريعًا،
لكنّ جدّتي لم تكن تسمح بالكرة داخل البيت.
كانت تقول لنا بأنّ كلّ طوبةٍ كلمة
و أنّ حائطها كثيرُ الثّرثرة.
لهذا كانت تحذّرنا من اللّعب طويلاً أسفله
مخافة أن نعود مكدومين بحكاياته.
حتّى ترفّه عنّا،
كانت جدّتي تروي لنا الطُّرف و النّكات،
تفرشُ ملاءةً كبيرةً تحت أفواهنا
و تظلُّ لساعاتٍ و هي تلتقط عولتنا من الضّحكات.
لم نكن نعرف كم من دُعاباتِ جدّتي سنستغرق
حتّى ينقضي الشّتاء،
لكنّنا كنّا واثقين أنّنا في مأمنٍ من البرد
ما دمنا نعيشُ لمدّةِ ضحكتها.
* حصّة الفرد من الطّعام باللّهجة التّونسيّة
هاجر الرقيق




































