قصة قصيرة
المفتاح
بقلم / السعيد عبدالعاطي مبارك الفايد
مصر
ذهبت تزور قبر زوجها و أولادها الذين رحلوا منذ بضع سنوات ، خلال الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد ، في محافظة تبعد مائة كيلو متر عن مسكنها العتيق ، في بيت مكون من طابقين نالت منه الأحداث مع التاريخ ، و قد توارثته حتى الجيل الرابع ، و مكثت في الإقامة عند أقارب زوجها لمدة ثلاثة أيام في الضياف ، ثم جفلت مسرعة تسمع عن نشوب حرب جديدة متوقعة من خلال نشرات الأخبار اليومية و العالمية ٠
و عندما وصلت أوقفها الأمن بين حواجز خرسانية عند باب المدينة التي أمست أشباحاً ، و لأن الدخول غير آمن بالمرة ، فقد دمرت المنطقة صواريخ شديدة الانفجار انشطارية ، فاستحلفت القائد المسؤول أن تبصر بيتها المنكوب لعلها تكون المرة الأخيرة ٠
فلبى لها رغبتها على استحياء مخالفاً القواعد و القوانين المتعارف عليها عند الخطر ، و همس قائلاً :
بسرعة يا أمي أخشى عليك توابع القذائف المتوالية بلا هوادة ٠٠! ٠
و كل الحضور في الملجأ المتاخم يعرفوها ، كما يلقبوها بالخنساء !
، فوجدت بيتها ركاماً و قد خيم عليه اليأس ، فبكت و حاولوا أن يخففوا عنها وطأة المأساة ٠٠
فقالت : هنا تبقى الذكريات و تاريخ الأجداد و تطلعات الأمل الوليد ، و لم يبقَ معىَّ سوى هذا المفتاح ، الذي يسجل عبقرية الزمان و المكان و عنوان الإنسان ٠
و أمسكت ببقايا قطعة من المرآة تلمح تجاعيد وجهها الحزين ، و بعد شهقة و تنهيدة ، و المفتاح بين أصابعها الموجوعة و يديها المرتعشة ، فجأة صرخت سوف أعلق المفتاح في حبل على صدري كقلادة ووشاح ، ليذكرنا بكل شيء قد راح ، لعل أبصر صدى الراحلين يوماً ، فعندئذٍ تهدأ ثورة قلبي الملتهب ، و أمضي في صمت أجفف الدموع و انتظر اللقاء ٠


































