السخرية بالناس
حكايات في رمضان ( الحلقة 30 )
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين 🇵🇸
لم يكن زيد مُختلفاً عن سائر الرجال الذين يبدأون حياتهم بحلم بسيط ، عمل كريم ، وبيت صغير ، وامرأة يظنها شريكة العمر ، ففي صباح شتوي بارد، كان ضوء الفجر الباهت يلامس نوافذ القسم الطبي في مستشفى المدينة. هناك، بين أروقة التعقيم وهمهمات الممرضات، التقت عيناه بعينيها لأول مرة. كانت سمراء هادئة، تحمل بين يديها أطباق الدواء كما تحمل أمهاتنا قدور القهوة للضيف، بوقار وحنان. كان زيد طبيباً شاباً، تميز بحزمه في العمل ودماثته في التعامل. ومن تلك اللحظة، أخذت قلوبهما طريقاً واحداً، يلتقيان على مائدة الغداء نفسها، كانت قريبة منه أكثر مما ينبغي لزمالة عمل ، تغار عليه بحدة ، ويبادلها اهتماماً لا يخلو من حذر ، ويتهامس زملاؤهما عن قصة حبهما التي أزهرت في مكان يموج بالألم والأمل.
جهز بيته المتواضع، زواياه تشع بأحلام بسيطة، ثم تقدم لأهلها على سنة الله ورسوله. جاءت جاهة إلى دارها، فتم الموافقة على طلبهم ، ووزعت الحلوى والعصائر على المدعوين ، وارتفعت التهاليل.
أقام حفل زفافه في صالة البلدة، حيث احتضنه الجميع بفرح، وبدآ معاً رحلة الحياة، رزقا بفلذات الأكباد ( ثلاثة أولاد وبنت )، حيث ملأ بيتهما الضحك والحنان ، وبيت يعج بالحركة ، وزوجان يبدوان في أعين الناس سعيدين . لكن السعادة ، حين لا تصان ، تصدأ سريعاً. خطرت لزيد فكرة لم تخطر من قبل: الزواج بامرأة أخرى.
وعندما وصل الخبر إلى أذني زوجته، اشتعل البيت خلافاً ، وتبدلت الملامح التي كانت بالأمس مطمئنة ، ودب الخلاف بينهما كالدودة في جذور الشجرة الغضة . كان يتحدث خلسة إلى حبيبته الجديدة. وفي إحدى المرات، بينما كان جالساً في غرفة المعيشة حيث تنتظر زوجته ببركة صبر الأوفياء، رن هاتفه. أسرع إلى الشرفة، وهمس في الجهاز : ” أصبري قليلاً حتى أبتعد عن… المُعاقة “. كلمة واحدة، خرجت من فمه كسهم مسموم، لم يدرك أنها ستكون نصيبه الذي كتب عليه.
تزوج الثانية رغم تحذيرات أهله وضيق حاله، وترك بيتاً كاملاً يعاني، واستأجر بيتاً في البلدة نفسها ، حيث يبدأ عالمه الجديد. حمل معه حلم السعادة المزدوجة، وغادر وراءه قلباً ينزف وأطفالاً يتساءلون.
بعد عام من زواجه الثاني، رزقه الله بتوأم: بنت وولد. لكن الفرحة لم تكتمل، فالقدر كان يخبئ في طياته درساً قاسياً: تبين أن التوأم معاقان، لا يقويان على الحركة. كأنما تحولت كلمته القاسية إلى حقيقة تلاحقه في أعز ما عنده.
أمضى أيامه بين عيادات التأهيل ، يدفع المال الوفير الذي لا يملكه، بحثاً عن أمل لا يأتي. وفي المقابل، هناك، في البيت الأول، كانت زوجته التي وصفها يوماً بالمعاقة، تقوم على رعاية أولادها بصلابة الأخلاق. كانت تلبسهم أجمل ما لديها، وتخرج بهم إلى المدرسة، وترد على استفساراتهم عن أبيهم بابتسامة حزينة لا تلامس الجرح. تفوق أولادها في دروسهم، وكأنهم يردون على قسوة القدر بجمال الإرادة.
ذات مساء، وهو يعود من رحلة علاجية فاشلة، مر بسيارته أمام البيت القديم. رأى نور المصباح يتسلل من النافذة، ورأى ظل ولده يقرأ وهو جالس بجوار أمه. توقف، ونظر طويلاً. أحس بثقل الذنب يطحن قلبه، كالجبل فوق صدره. دمعت عيناه، وتذكر يدها الصغيرة وهي تضع أول حلوى في فمه يوم العرس. وتذكر قول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ” (الحجرات: 11). وتلك المقولة التي سمعها يوماً: “إن أعظم الذنوب عند الله الاستهزاء بالآخرين”.
قرع الباب. فتحت له، كانت نفس العينين الهادئتين، لكنهما تحملان الآن عمق جرح لم يندمل. خرَّ على ركبتيه، وانهمرت دموعه سخينة: “اغفري لي… أخطأت بحقك، وحق أولادي، وحق نفسي”. لم تتفوه بكلمة، بل أدارت وجهها كي لا يرى دمعها الذي سال بعد طول انتظار.
أدرك زيد أن الزواج الثاني ليس عيباً في ذاته، فالله أحله وشرطه العدل. لكن العيب أن يتحول إلى وسيلة لهجران الواجب، وإهمال القلوب، وتضييع الأمانة. حيث أن بعض الرجال يظنون أن الزواج مجرد رغبة تُشبع، وغافلون عن أنه مسؤولية تُرعى، وقلوب تُصان، وأطفال تنمو بوجود الأب لا بماله فقط. كم من أطفال كبروا وهم يحملون جوعاً للحنان، لم يُشبعوه رغم أن الشرع الحنيف كفله لهم.
- ها هو الآن، يجلس بين أولاده، يحاول أن يلملم بقايا عمر مضيع. ينظر إلى التوأم المعاقين، فيرى في عيونهما مرآة لكلمته الطائشة، وينظر إلى زوجته الأولى، فيرى في صمتها أعظم موعظة. لقد عوقب حيث أحب، وتعلم أن السخرية بالناس باب لا يفتح إلا ويغلق على صاحبه ، وأن العدل ليس كلمة تقال، بل هو استقرار في القلب قبل البيت. وأن العودة إلى الحق، وإن تأخرت، تبقى خيرٌ من الاستمرار في الخسارة أو الندم .




































