مقالات انتربولوجية ….المقال 28/
أ.د حمام محمد…..جامعة الجلفة..الجزائر
العيد والتسامح: قراءة أنثروبولوجية في بهجة الإنسان ووحدة الجماعة”
كرّم اللهُ الإنسانَ أسمى تكريم، وجعل من هذا التكريم بوصلةً تُهتدى بها في دروب الحياة، ومن أهم معالمها: التسامحُ والمسامحة؛ تلك التي تقوم، في أصلها، على نسيان الأحقاد والقضاء عليها، رغم صعوبة نسيان الأثر العالق من تصرّفٍ مضى في ذاكرة الإنسان.
ولقد كان للدور الديني في الإسلام السبقُ على العلوم في ذاتها، ولا سيما الأنثروبولوجيا، التي بيّنت في بنياتها العميقة حدودَ وأبعادَ الظواهر الإنسانية المرتبطة بثقافات الشعوب، والتي غايتها في الأول والأخير تحقيقُ الرضا النفسي المؤدي إلى التماسك والوحدة داخل الوطن، وتفعيل ذلك من قِبل أبنائه.
فالتسامح كان نداءً شاملًا أطلقه مولانا في مواقف خالدة، أبرزها موقف رسول الله ﷺ من الذين آذوه من الكفار، حين قال لهم: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”؛ فكانت الرسالة عالميةً، موجَّهةً إلى جميع من أُرسل إليهم، ولم تعد الكلمة في حدّ ذاتها مرتبطةً بزمنٍ معين، بل صارت كل العلوم والسلوكات الثقافية تصبّ في معينها.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في غير ما موضع، فقال تعالى:﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 13]،وقال أيضًا﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22.ولعل فترات التسامح قد تبنّاها الدين في كبريات تجلياته، قبل رمضان وبعده وأثناءه، غير أن هذا الشهر الفضيل يبقى—بتحليل أنثروبولوجي لطيف—جامعًا شاملًا لتحقيق التسامح الكلي؛ وإن بدا في بعض الأحيان جزئيًا، فإن ما يبثّه من نفحات الرحمة كفيلٌ بأن يذيب الأحقاد مع مرور الزمن.
فإذا عقد الإنسان النية الصالحة الصادقة التي تخشى الله وتخافه، فإن قطار التسامح لا بد أن يصل إلى محطته، ولهذا جُعل في رمضان كلُّ تصرّفٍ مدعاةً للتسامح، سواء في العمل، أو في السوق، أو في الفضاء العام؛ لأنه ينطلق من خشية الله التي سماها العلماء بالتقوى، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].وقد بشّرنا النبي ﷺ بهذا المعنى حين قال:”من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّم من ذنبه”، فالمغفرة هنا قرينةُ التسامح، بل هي ذروته.
ولعل في يوم رمضان مشاهدَ إنسانيةً راقية، حيث يلتقي الناس بالعناق والتحاف الأرواح، في صورةٍ تحيل إلى إنسانيةٍ رحيمةٍ ومحبةٍ عميقة بين أفراد الأمة، بل بين الأمم جميعًا. عندها تذوب الفروق، وتضمحل الفوارق، ويعود الإنسان إلى فطرته الأولى التي أرادها الله له قائمةً على التعارف لا التنافر، كما قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم… لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13].
ومن هنا، أوصانا الدين بنبذ المشاحنة، ولو بين الإخوة، لأنها مكسِرةٌ لنية التسامح، ومعطِّلةٌ لسريان الرحمة في القلوب. وقد قال ﷺ:”تُفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيُغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا”.
ولا يمكن أن نسافر خارج إطار أنثروبولوجيا التسامح دون الوقوف عند العيد، الذي يُعدّ مظهرًا من مظاهر الفرح الإيماني، حيث يتجلى في التزاور وصلة الأرحام. قد يراه البعض أمرًا عاديًا، لكنه عند ممارسته بصدقٍ وإحساس، يدرك الإنسان درجة قربه من ربه من خلال فاعلية التسامح، خاصة ذلك الذي يُنسي الأحقاد، وكأنه ضربة قاضية للوسواس الخناس.
لقد مرّ البشر بقرونٍ عجافٍ سيطر فيها هذا الوسواس، وتعدّت جذوره إلى إشعال الفتن وتعكير صفو الناس، غير أن الله منحنا رمضان، وجعل من مجازاته الرحيمة ما يفتح أبواب القلوب، حتى يصبح التسامح قلبًا وقالبًا، سلوكًا وممارسة، روحًا تسري في الإنسان، فيكون بها إنسانًا كما أراده الله: كريمًا، رحيمًا، متسامحًا.


































