ابنُ المطلَّقة
حكايات في رمضان
الحلقة السابعة والعشرون
بقلم : زياد أبوصالح/ فلسطين
في إحدى البلدات، حيث تنسج الأرحام حكاياتٍ لا تُروى، وتُختزن الخلافاتُ في صندوق الذكريات الثقيل، عاش شابٌ لا ينطق، يتحدث بلغة الأيدي والعيون. تزوج ابنة عمه، كما جرت العادة، قبيل أيامٍ من الزفاف، دبَّ خلافٌ عائليٌّ كاد أن يهدم كل شيء. لولا تدخل أهل الخير، الذين يظهرون دائمًا في اللحظات المناسبة، لتحول الفرح إلى مأتم. تزوج الصامتُ على مضض.
لم تكد تُمضي العروسُ في بيت زوجها أربعين يومًا حتى عادت إلى أحضان أبيها، حاملة في أحشائها سرًّا نما رغم جفاف المشاعر. حاول المصلحون إعادتها، لكن إصرار الأب كان كالصخرة. جاء المخاضُ في بيت أبيها، وتم نقلها إلى المشفى ، ووُلد الطفلُ ذكرًا سليمًا. هاتف الأبُ أهلَ الطفل: “تعالوا خذوا ابنكم!”
وكانت التعليمات صارمة: “لا ترضعه ولو نقطة حليب واحدة”. حضر قريبٌ للأب الأخرس، ملفعًا الطفلَ بغطاءٍ رقيق، وحمله بعيدًا عن أمه التي لم تلتقِ بعينيه سوى لحظات.
في البيت الجديد، انتظرته يدٌ أخرى. يدُ الجدّة المتعبة، المريضة، التي أعدت زجاجةَ الحليب الصناعي، وغيّرت ملابسه بكل ما تبقى لها من قوة. وبدأت معجزة الحياة: كبر الطفل، ازدهر، وصارت خدوده وردية.
أما الأب الأخرس، فقرر، بعد أربعين يومًا من الولادة، أن يرد على حرمان ابنه من حنان أمه، بأن يبحث له عن أمٍّ بديلة. تزوج امرأةً طيبة القلب، دخلت البيت وفي عينيها عزمٌ على أن تملأه حنانًا. منذ اليوم الأول، احتضنت الطفل، أطعمته، ارضعته الحليب، وهدهدته بنبراتٍ حنونة لا تحتاج إلى كلمات. أصبح ابنها بكل ما تحمله الكلمة. ثم، بعد عام، رزقت بابنةٍ جميلة. سجلهما الأب في هويته: توأمان. وكبر الصبي يناديها “يمه”، وترد عليه بكل الحب الذي يفيض من قلبها.
أما أمه الأولى، فسلكت طريقًا آخر. تزوجت، أنجبت، طُلقت، تزوجت مرة ثالثة، وصار لها أولادٌ كثيرون. وكبر الابن الذي حملته ذات يوم، وأصبح واعيًا يسمع الهمسات من هنا وهناك: “إنه ابن المطلقة”. منعه والده من الاتصال بأهلها، فكبر وفي قلبه غصةٌ لا يعرف مصدرها.
كبر أكثر، وتزوج، وأقام له بيتًا. ثم جاءته رغبةٌ لا تقاوم ليرى المرأة التي جاء منها إلى هذه الدنيا. زارها، وكان اللقاء باردًا كشتاء لا شمس فيه. نظر إليها، فلم يجد في عينيها ذاكرةً تعرفه. لكن شيئًا ما في أعماقه تمزق. عاد، ثم عاد مرة أخرى، يحمل الهدايا، يستقبل أخواته منها في بيته، ويكرمهن وكأنهن ملكات.
وذات مساء، بينما كان في عمله، رن الهاتف. صوتٌ ملحٌّ يطلب منه العودة فورًا إلى البلدة، لظرفٍ طارئ. استقل سيارة معلمه، وأسرعت به الطريق. قبل أن يصل البيت، رأى عن بُعد جمهرةً من الناس، وأحس بثقلٍ مفاجئٍ في صدره. وصل، فاستقبله أقاربه بالبكاء: “لقد ماتت يمه… الأم التي ربّتك”.
سقطت الدنيا حوله. بكى بحرقة الطفل الذي فقد حضن أمه للمرة الثانية. وقام بكل شيء: الغسل، التكفين، الصلاة، تلقّي العزاء. كان يقف شامخًا، لكن داخله طفلٌ يتيم.
كبر رامي ، وكبر معه لقب “ابن المطلقة”، لا لذنب اقترفه، بل لأن النسيج الاجتماعي يخلق أحيانًا أوصافًا تلتصق بالإنسان مثل ظله. لكنه قرر أن يكون ظلًّا من نور. أصبح شابًا بارزًا في عائلته، يساعد، يشارك، يتوسط، ويكون سندًا للضعيف. صار مضرب المثل في الكرم والأدب. حتى أخوته من أمه الأخرى كانوا يستشيرونه في أمورهم، ويدعون له في صلواتهم: “اللهم احفظه، وبارك لنا فيه”. وكأن الحياة _ بعد كل ما أخذت منه _ قررت أخيراً أن تعترف به .


































