معرض “لنـبقى في حلب” كفضاء للتلاقي والتجذير الثقافي
حلب عماد مصطفى
جاء إطلاق المعرض الفني التشكيلي بعنوان “لنـبقى في حلب” كمبادرة محورية تتجاوز مجرد عرض الأعمال الفنية لتؤسس لملتقى روحي وإنساني. لم يكن هذا الحدث مجرد تجميع للوحات وأعمال يدوية، بل كان تنفساً روحياً للمدينة وأبنائها، حيث يلتقي الفن بالإنسان، وتتجسد روح الصمود من خلال تنوع الألوان وأشكال التعبير. لقد جمع المعرض بين الفنون الشعبية التي تحمل ذاكرة المكان، والعروض الموسيقية التي تعيد ترتيب الإحساس، والفن التشكيلي الذي يفتح آفاق الخيال، وجمال التفاصيل الدقيقة. شارك في هذا التجمع عدد من الفنانين التشكيليين المنتمين أصلاً لمحافظة حلب، موحدين لحظة الشباب والثقافة والتعبير الإنساني في بوتقة واحدة.
لقد عكست هذه الأعمال مجتمعة روح التلاقي والوحدة، مؤكدة المقولة التي ترى في الفن جسراً لا يقتصر دوره على العرض الجمالي، بل يمتد ليصبح أداة للتواصل العميق بين القلوب، مانحاً الحياة معنى أعمق
عندما يقدم فنانون من حلب أعمالاً تعبر عن مدينتهم، فإنهم لا يرسمون المناظر الطبيعية فحسب، بل يرسمون طبقات من التاريخ المتراكم والتجارب المعاشة. الفنون الشعبية التي كانت جزءاً من هذا المعرض لعبة دوراً حاسماً في هذا السياق. هذه الفنون، سواء كانت قصصاً تُروى، أو أزياء تقليدية، أو نقوشاً معمارية، تحمل حكايات الأجداد وتفاصيل الحياة اليومية التي قد تكون معرضة للنسيان أو التشويه. هي مقاومة ثقافية صامتة ضد محاولات طمس الهوية.
الفنانون التشكيليون الذين شاركوا في المعرض، من خلال لوحاتهم، قاموا بتوثيق نبض حلب المعاصر؛ نبض يمزج بين الألم والأمل، بين الشوق إلى الماضي والتعلق بالحاضر المأمول. واختيارهم لموضوع “لنـبقى في حلب” هو إعلان ولاء وتأكيد على الجذور، ودعوة غير مباشرة للمجتمع للتشبث بأرضه وثقافته رغم كل شيء. فكل ضربة فرشاة، وكل لون تم اختياره، يحمل ثقلاً رمزياً يربط الزائر بتاريخه ومكانه.
ما يميز هذا المعرض هو التنوع الغني في أساليب التعبير،هو
ماسمح للمعرض بأن يخاطب شرائح أوسع من الجمهور ويقدم تجربة حسية متكاملة.
الرسالة الأعمق التي أراد المعرض إيصالها هي أن الفن يتجاوز الحدود السياسية أو الطائفية، ليصبح لغة عالمية للتفاهم. عندما اجتمع فنانون من حلب ليعرضوا أعمالاً تؤكد على “روح التلاقي والوحدة”، فإنهم قدموا نموذجاً مصغراً لما يمكن أن تحققه الثقافة في إعادة بناء النسيج الاجتماعي المتصدع. الفن يمتلك خاصية فريدة في تجاوز الحواجز اللفظية والخلفيات العقائدية. في مواجهة الصراعات التي غالباً ما تتغذى على الانقسام والكلمات الحادة،
كان الحفل الموسيقي الذي تخلل المعرض عنصراً تكميلياً بالغ الأهمية، خاصة وأنه حمل “لون الأصالة والتراث الحلبي القديم”. مدينة حلب تُعرف بتاريخها الموسيقي العريق، وهي موطن لكثير من الأنماط الموسيقية والمقامات التي تشكل جوهر الموسيقى العربية الكلاسيكية. استحضار هذا التراث في خضم المعرض يربط المشهد الفني المعاصر بالجذور التاريخية العميقة للمدينة. هذا الجانب التراثي يمثل نقطة ارتكاز عاطفية للكثير من السكان الذين قد يكونون مشتتين جغرافياً أو نفسياً. والاستماع إلى مقام أو لحن قديم له القدرة على إيقاظ ذكريات دافئة وإحساس بالاستقرار والهوية الراسخة. هذا النوع من الطرب ليس مجرد ترفيه، بل هو فعل استعادة للهوية المهددة. عندما يُعاد تقديم التراث بهذا الشكل، فإنه يثبت حيويته وقدرته على التفاعل مع الفنون الحديثة المعروضة في المعرض. لقد ساعدت الأصالة الموسيقية في “تأصيل” التجربة الجمالية الكلية للمعرض، مما جعلها تجربة تغذي الروح من منبع صافٍي
في الختام، لم يكن معرض “لنـبقى في حلب” مجرد مناسبة ثقافية عابرة، بل كان تجسيداً حياً لقوة الفن كآلية للصمود والتعبير عن الوجود. لقد نجح المعرض، من خلال مزج الفنون التشكيلية، والموسيقى التراثية، في خلق فضاء فريد التقت فيه مختلف الأجيال والاهتمامات تحت مظلة الهوية الحلبيّة.
إن الدعوة لاستمرار هذه الأعمال الفنية، التي تحمل روح التلاقي، هي شهادة على أن حلب، بتاريخها وجمالها وإنسانها، ستبقى منارة للإبداع، مدعومة بإصرار فنانيها على أن تبقى ألوان الحياة زاهية ومشرقة.







































