الوقت
الوقت لا يملك أخلاق الوداع. لا يُربّت على كتفك قبل الرّحيل، ولا يترك مفاتيحه في المكان. يدخل حياتك كضيفٍ قديم، ويغادرها كأنّه لم يعرفك يومًا. يمرّ فيك بلا ضجيج، ويأخذ معه أكثر الأشياء هشاشة: إحساسك بأنّك ما زلت تملك غداً.
نحن نعيش مؤجَّلين. نضع أحلامنا في صيغة الغد، ونُقنِع قلوبنا أنّ الشّغف لا يفسد إذا طال انتظاره، وأنّ الكلمات تستطيع أن تبقى طازجة في الفم إلى أجل غير مسمّى. لا ننتبه أنّ الرّغبة حين لا تُستعمل، تغيّر طبيعتها، تفقد نارها، وتتحوّل إلى ذاكرة مهذّبة، تزورنا ببرود المتاحف، بلا لهفة ولا ارتعاش.
اللّحظة لا تُعرّف بنفسها. لا تقول: أنا الفرصة. تمرّ عابرةً، خفيفةً، كضوءٍ يلمس الجدار ولا يصرّ على الدّخول. وإن لم تفتح لها، لا تعود. تترك خلفها شعورًا غامضًا أنّ شيئًا كان يجب أن يحدث…ولم يحدث.
أمّا النّدم، فلا يأتي كعاصفة بل يدخل حياتك متأخّرًا، يحمل ملامحك، ويجلس مكانك على مقعد العمر. يبدأ بالعيش بدلاً منك حياةً لم تجرؤ عليها، ويذكّرك، بصوتك أنت، بكلّ ما خفتَ أن تفعله حين كان ممكناً.
لهذا، افعل ما تحبّ الآن. لا لأنّ العمر قصير، بل لأنّ التّردّد طويل. افعله قبل أن تصبح حياتك حاشيةً على نصٍّ لم تكتبه، وقبل أن تتحوّل أنت نفسك إلى شاهدٍ محترم على حياةٍ كان يمكن أن تكون لك… ولم تكن.
جان كبك







































