بغداد قبل أن تكون مدينة
دراسة تاريخية–لغوية في نشأة المكان وجدلية التسمية
بقلم عدنان الطائي
الملخّص
تتناول هذه الدراسة تاريخ موقع بغداد قبل تأسيسها العباسي سنة 762م، مع التركيز على جدلية التسمية وأصولها اللغوية والحضارية، اعتمادًا على مصادر أكاديمية رصينة، وفي مقدمتها كتاب بغداد للأستاذ محمد مكية، وما نقله عن العلّامتين الدكتور مصطفى جواد والدكتور أحمد سوسة. وتهدف الدراسة إلى التمييز بين قدم المكان وحداثة المدينة، بعيدًا عن الأسطورة أو النفي العدمي، ضمن منهج تاريخي نقدي.
مقدمة
احتلّت بغداد مكانة استثنائية في الوعي العربي والإسلامي بوصفها عاصمة للعلم والفلسفة والحضارة، ولا سيما في العصر العباسي. غير أن هذا الحضور المهيب أفرز، في المقابل، أطروحات عاطفية تُرجع نشأة بغداد إلى عصور موغلة في القدم، تصل أحيانًا إلى ما قبل الطوفان. ومن هنا تنبع أهمية إعادة قراءة تاريخ بغداد قراءةً علمية تفرّق بين قدم الموقع وتأسيس المدينة، وتُنصف العلماء الذين بذلوا جهدًا مضنيًا في تحقيق هذا التاريخ دون إغفال أسمائهم أو جهودهم.
أولًا: الموقع الجغرافي لبغداد قبل التأسيس
يقع موضع بغداد في السهل الرسوبي الأوسط لبلاد ما بين النهرين، وهي منطقة عرفت الاستيطان البشري منذ عصور ما قبل التاريخ بفضل خصوبة الأرض وقربها من نهر دجلة. وقد شكّل هذا الموقع حلقة وصل طبيعية بين شمال العراق وجنوبه، وممرًا تجاريًا وزراعيًا مهمًا، دون أن يعني ذلك قيام مدينة مركزية فيه في العصور السومرية أو البابلية المبكرة.
تشير الدراسات الأثرية إلى أن المراكز الحضرية الكبرى في العصر السومري تركزت في جنوب العراق، مثل إريدو وأور وأوروك، بينما ظل موضع بغداد جزءًا من المجال الزراعي وشبكة القنوات، لا مدينة ذات كيان سياسي مستقل¹.
ثانيًا: بغداد في العصور القديمة (الأكدية–البابلية–الآشورية)
مع تعاقب العصور الأكدية والبابلية والآشورية، دخل موضع بغداد ضمن النطاق الإداري والعسكري لهذه الدول، بوصفه منطقة عبور وربط بين العواصم الكبرى. ولم تشر النصوص المسمارية المعروفة إلى مدينة قائمة باسم بغداد، غير أن بعض المواضع القريبة لغويًا من الاسم وردت في نصوص متأخرة، دون أن ترقى إلى دليل قاطع على وجود مدينة ملكية².
ثالثًا: جدلية اسم بغداد وأصوله اللغوية
يُعدّ اسم بغداد من أكثر الأسماء إثارةً للجدل في تاريخ المدن العربية. وقد اختلف المؤرخون قديمًا وحديثًا في بيان أصله ومعناه، كما يورد الأستاذ محمد مكية نقلًا عن الدكتور مصطفى جواد والدكتور أحمد سوسة³. ويمكن تلخيص أبرز الآراء فيما يأتي:
1. الرأي البابلي:
يرى بعض الباحثين أن أصل الاسم هو (بعل جاد)، ومعناه معسكر بعل، أو (بعل داد) أي إله الشمس.
2. الرأي الكلداني–الآرامي:
يذهب آخرون إلى أن الاسم (بلدادا)، حيث إن (بل) اسم الإله الكلداني، و(داد) كلمة آرامية تعني الفتك، ويربطون ذلك بانتصار نبوخذ نصر الثاني (604–562 ق.م) وتخليد هذا الظفر بتسمية القرية⁴.
3. الرأي البابلي القديم:
يُرجع بعضهم الاسم إلى عهد حمورابي في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وأصله (بيت كداد) أي بيت الغنم.
4. الرأي الآري (الكشي):
يرى فريق من الباحثين أن الكشيين استعملوا الاسم في مستهل الألف الثاني قبل الميلاد، وأن معناه (عطية الإله) ⁵.
5. الرأي الفارسي: وهو الأشهر تداولًا، ويُرجع الاسم إلى (باغ داد) أي عطية الإله، أو إلى بستان نُسب إلى كسرى أنوشروان (532–579م).
أما القول المنسوب إلى تجار الصين، فيُعدّ أضعف الآراء وأبعدها عن الاحتمال. ويلاحظ أن هذا التعدد في التفسيرات يعكس قِدم الموضع وتداخُل الحضارات، لا وجود مدينة كبرى مستقلة بالاسم.
رابعًا: بغداد قبيل التأسيس العباسي
تذكر مصادر الفتح الإسلامي وأخبار الدولة الأموية اسم بغداد بوصفه موضعًا مأهولًا أو قرية. كما كانت المنطقة تضم عددًا من القرى المزدهرة، منها: بغداد العتيقة، وسونايا، والخطابية، وبراثا، وقطفتا (محلة المشاهدة حاليًا)، وغيرها⁶. وهذا يؤكد أن المكان كان حيًّا اقتصاديًا واجتماعيًا قبل التأسيس العباسي، دون أن يكون عاصمة.
خامسًا: تأسيس بغداد العباسية
في سنة 762م، اتخذ الخليفة أبو جعفر المنصور قرارًا حاسمًا بتأسيس مدينة جديدة عُرفت بمدينة السلام. وقد اختار موضعًا تحيط به قرى عامرة، وأقام المدينة على أرض مزرعة تُعرف بالمباركة، عوّض أصحابها تعويضًا عادلًا. ويكشف هذا الاختيار عن وعي جغرافي وحضاري استثمر الإرث المتراكم للمكان وحوّله إلى عاصمة كونية.
الخاتمة
تخلص هذه الدراسة إلى أن بغداد لم تُؤسَّس في العصور السحيقة ولا قبل الطوفان، لكنها قامت على أرضٍ شهدت تعاقب حضارات كبرى وأسهمت في صنع التاريخ الإنساني. إن عظمة بغداد لا تكمن في أسطرتها، بل في كونها ثمرة تفاعل طويل بين المكان والزمان، ونتاج قرار تاريخي واعٍ حوّل الموضع إلى مدينة عالمية.
الهوامش
1. طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، بغداد.
2. أحمد سوسة، العرب واليهود في التاريخ، بغداد.
3. محمد مكية، بغداد، ص 13.
4. مصطفى جواد، بحوث في تاريخ بغداد، مخطوطات متفرقة.
5. أحمد سوسة، في طريق الحضارة، بغداد.
6. محمد مكية، بغداد، ص 13–15.







































