في نقد خطاب الكراهية: نحو وعيٍ يجمع ولا يُفكِّك
حين تكون الكلمة جسـرًا لا خنـدقًا
بقلم عدنان الطائي
في عالمٍ يدخل الألف الثالثة مثقلاً بالتجارب المريرة، لم تعد اللغة مجرّد وسيلة تعبير، بل صارت مسؤولية أخلاقية ومعرفية. فما نكتبه اليوم لا يبقى حبيس الورق، بل يتحوّل إلى وعي، وإلى سلوك، وربما إلى دمٍ في الشوارع إن أسيء استخدامه. لقد شهدنا، وما زلنا نشهد، تصاعدًا لخطابات تقوم على الإنشاء الانفعالي، وتستثمر في الكراهية، وتغذّي الانقسام الطائفي والعرقي تحت عناوين شتى: الدفاع عن الدين، حماية الهوية، أو مواجهة “الآخر”. غير أن هذه الخطابات، مهما ادّعت النقاء، لا تُنتج وعيًا، بل تعيد تدوير العنف في صورة كلمات. إن أخطر ما في هذا النوع من الطرح أنه:
• يختزل الإنسان في هويته لا في إنسانيته.
• يُجرِّد الخصم من التعقيد ويحوّله إلى شرٍّ مطلق.
• يستغني عن العقل لصالح التحريض الوجداني.
وهنا يفقد الأدب، أو الخطاب الثقافي، وظيفته النبيلة، ويتحوّل من أداة كشف إلى أداة تعبئة، ومن مساحة حوار إلى ساحة اصطفاف.
الأدب ليس سلاحًا أعمى
الأدب، حين يكون حقيقيًا، لا يصرخ، بل يُنير. لا يُحرِّض، بل يُسائل. ولا يبني مجده على شيطنة الآخر، بل على تفكيك الفكرة وكشف جذورها ومآلاتها.
أما حين يُستخدم الشعر أو النثر كوسيلة لتكريس الكراهية، فإنه يعود بنا إلى مراحل مظلمة من التاريخ، حيث كانت اللغة تمهّد للمجازر، وتُبرِّر الإقصاء، وتُعطي العنف شرعية أخلاقية زائفة.
في زمن المعرفة المفتوحة
نحن اليوم نعيش في عصر:
• تتقاطع فيه الثقافات،
• وتتداخل فيه الهويات،
• وتنهار فيه السرديات الكبرى المغلقة.
وفي مثل هذا الزمن، يصبح الخطاب الطائفي والعنصري علامة فشل فكري، لا دليل قوة.
فالقوي لا يخاف من الاختلاف، والواعي لا يحتاج إلى كراهية ليُثبت صواب فكرته.
دعوة إلى خطاب جامع
لسنا بحاجة إلى مزيد من النصوص التي:
• تقسّم المجتمعات إلى خنادق،
• وتعيد إنتاج ثنائية “نحن” و”هم”،
• وتُغلق باب الحوار باسم الحقيقة المطلقة.
نحن بحاجة إلى:
• خطاب يعترف بالألم دون أن يحوّله إلى حقد،
• ونقد يواجه الأفكار لا الجماعات،
• وأدب يرمم الإنسان بدل أن يمزقه.
خاتمة
إن الابتعاد عن الطروحات التي تُفرّق لا يعني التخلي عن الموقف، بل يعني الارتقاء به. فالوعي لا يولد من الصراخ، والعدالة لا تُبنى بالكراهية، والمستقبل لا يُصنع بلغة الماضي. في الألف الثالثة، لم يعد السؤال: من نُدين؟ بل: كيف نُنقذ الإنسان من نفسه؟







































