كِتَابُ الشِّعْرِ وَالْغُرْبَةِ …
لِلشَّاعِرِ … أَبُو أَشْرَفْ مِيرْسِيدِي
* الغربةُ هنا ليست مكانًا يُغادَر، بل جرحٌ في الرّوح يكتبُ نفسه شعرًا.
* بين الوطن والمنفى يولدُ الشّعر شاهدًا على الفقد، ومقاومةً للنّسيان.
عِصْمَتْ شَاهِينِ الدُّوسْكِي
الشَّاعِرُ الْمُغْتَرِبُ يُونُسُ عِيسَى رِزُو، الْمَعْرُوفُ بِـ«أَبُو أَشْرَفْ مِيرْسِيدِي»، مِنْ مَوَالِيدِ 1956، مِنْ أَهَالِي قَرْيَةِ مِيرْسِيدَا، مَنْطِقَةِ شِمْكَانَ، التَّابِعَةِ لِنَاحِيَةِ أَتْرُوش. عَانَى الْغُرْبَةَ فِي ظِلِّ تَنَاقُضَاتٍ مُؤْلِمَةٍ. بَدَأَ الْكِتَابَةَ عَامَ 2003. نُفِيَ مِنْ كُرْدِسْتَانِ الْعِرَاقِ إِلَى مَدِينَةِ الْمُثَنَّى «السَّمَاوَةِ» لِلْأَعْوَامِ 1975–1981، وَانْتَسَبَ فِي إِحْدَى دَوَائِرِ الصِّحَّةِ «طِبَابَةِ الْأَمْرَاضِ الْمُتَوَطِّنَةِ، شُعْبَةِ الْبِلْهَارْزِيَا – مَأْمُورِ مُخْتَبَرٍ». هَاجَرَ عَامَ 1998 إِلَى إِسْطَنْبُولَ «أَرْبَعَ سَنَوَاتٍ»، وَأَرْبَعَ سَنَوَاتٍ فِي الْيُونَانِ، إِلَى أَنْ اسْتَقَرَّ فِي سُوِيسْرَا مُقِيمًا مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً.
كِتَابُ « هُوزَانْ وَغُهْ رِيبِي – الشِّعْرُ وَالْغُرْبَةُ » لِلشَّاعِرِ أَبُو أَشْرَفْ مِيرْسِيدِي مِنَ الْحَجْمِ الْمُتَوَسِّطِ، يَتَضَمَّنُ 213 صَفْحَةً، يَنْقَسِمُ كِتَابُهُ إِلَى: اجْتِمَاعِيٍّ – ثَوْرِيٍّ حَمَاسِيٍّ – دِينِيٍّ – ثُمَّ الْعِشْقِ.
فِي الْقِسْمِ [اِجْتِمَاعِيٍّ]:
لِمَاذَا فِي بُلْدَانِ الْعَالَمِ
تَقَدُّمٌ وَتَحَضُّرٌ،
وَحَيَاةُ شُعُوبِهَا سَعَادَةٌ وَأَمَانٌ،
وَكَثِيرٌ مِنْ بُلْدَانِنَا الشَّرْقِيَّةِ
تَخَلُّفٌ وَعَوْدَةٌ لِلْمَاضِي،
وَحَيَاةُ شُعُوبِهَا تَعَاسَةٌ،
وَغَبْنٌ وَظُلْمٌ وَجَهْلٌ. «ص 20»
مِنَ الْبَيَانِ يُجَسِّدُ الْفَارِقَ بَيْنَ نِتَاجِ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، نِتَاجِ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ، الَّذِي يَبْدَأُ بِسُؤَالٍ قَدْ يَطْرَأُ عَلَى عُقُولِ الْآخَرِينَ، وَهُوَ وَاقِعٌ مُرٌّ وَأَمَرُّ مِنْهُ؛ إِنَّهُ يَتَجَلَّى فِي الِانْتِشَارِ وَالتَّجْسِيدِ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ، وَالَّتِي ضَحِيَّتُهَا الشُّعُوبُ الَّتِي لَا حَوْلَ لَهَا وَلَا قُوَّةَ.
وَفِي الْقِسْمِ [ ثَوْرِيٍّ حَمَاسِيٍّ ]:
« تَقَدَّمْ أَيُّهَا الْعَدُوُّ،
فَأَنَا بِانْتِظَارِكَ…
أَنْتَظِرُ مُنْذُ زَمَنٍ،
أُقَبِّلُ كَثِيرًا، لِقَتْلِكَ.» [ص 73]
حِمَايَةُ الْوَطَنِ تَحْتَاجُ إِلَى صُدُورٍ لَا تَتَرَاجَعُ، لَا تَهْرُبُ، لَا تَتَهَاوَنُ؛ مِثْلَمَا يُعْطِيكَ الْوَطَنُ كَرَمَ الْعَيْشِ، عَلَيْكَ أَنْ تُعْطِيَهُ كَرَمَ النَّصْرِ.
تَبَارَكَتِ الثَّوْرَةُ، وَبَقِيَتْ صَفْحَةٌ نَاصِعَةٌ فِي التَّارِيخِ، رَفِيعَةُ الْمَقَامِ، سَامِيَةٌ فِي الْعُلُوِّ. لَمْ تَهْدَأْ هَجَمَاتُ أَيْلُولَ، حَتَّى تَفَتَّحَتِ الْأَزْهَارُ، وَلَمْ يَعُدْ لِلْعَدُوِّ فَرْقٌ أَمَامَ الْوُجُوهِ الَّتِي اسْوَدَّتْ غَضَبًا. ذِكْرَى الشُّجْعَانِ فِي الْقُلُوبِ، كَالْجِبَالِ وَالْأَغْصَانِ الشَّامِخَةِ، الَّذِينَ ارْتَقَوْا شُهَدَاءَ، مُصْطَفِّينَ فِي صُفُوفِ الْخُلُودِ. وَلَمْ يَبْقَ مِنَ الظَّالِمِينَ إِلَّا صَدَى الْفَنَاءِ.
وَفِي قِسْمِ [ الدِّينِ ]:
« الْإِسْلَامُ دِينُ السَّلَامِ،
دِينُ الْمَحَبَّةِ وَالْحَقِّ،
بَابُ الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ وَالْخَيْرِ.» ص 99
لَمْ يَعُدْ وَصْفًا شَكْلِيًّا، بَلْ إِعَادَةَ التَّذْكِرَةِ، كَأَنَّ الْإِسْلَامَ نَأَى لِمَكَانٍ بَعِيدٍ، وَالسَّلَامَ أَصْبَحَ بِلَا سَلَامٍ، وَالْحَقَّ وَالْعَدْلَ وَالْخَيْرَ تَغَيَّرَتْ دُونَ صِفَاتِهَا الْحَقِيقِيَّةِ.
أَمَّا قِسْمُ الْعِشْقِ :
« كَفَى الْبُعْدُ،
وَالتَّفْكِيرُ وَالْبُكَاءُ،
أَيُّهَا الْحَبِيبُ…
كَفَى الْعَيْنُ،
لَا تَرَى النَّوْمَ مِنْ بَعْدِكَ.» ص 113
الْبُعْدُ وَالْفِرَاقُ مِنْ صَمِيمِ الْغُرْبَةِ الرُّوحِيَّةِ وَالْفِكْرِيَّةِ، الَّتِي تَغْدُو فِي فَضَاءِ الْخَيَالِ الْخَلَّاقِ، وَمِنْ مُعَانَاةِ الْقَلْبِ وَخَلَجَاتِ الرُّوحِ الَّتِي تُجَسِّدُ الْمَعَانِيَ النَّفْسِيَّةَ.
نُورٌ وَجُرْحٌ، لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُصَدِّقَ أَنَّكَ جِئْتَ بَاكِيًا بِخُطُوَاتٍ خَافِتَةٍ، وَفِي دَاخِلِي كَانَتْ نَارُ الشَّوْقِ لَا تُطْفِئُهَا الدُّمُوعُ. دَخَلْتَ عَلَيَّ جَرِيحًا، وَأَوْجَاعِي لَمْ تَزَلْ عَنْكَ، سَامَحْتُكَ رَغْمَ مَا فَعَلْتَ، وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ. أَنْتَ الَّذِي وَفَيْتُ لَهُ الْعُمْرَ مَرَّةً، لَكِنَّكَ لَمْ تَحْفَظْ عَهْدِي، غَيَّرْتَ قَلْبَكَ، وَمَضَيْتَ مَعَ غَيْرِي، تَرَكْتَنِي وَحِيدًا مُنْهَارًا، وَأَنْتَ تَتَنَعَّمُ بِالصَّدِيقِ وَالْحَبِيبِ. ثُمَّ عُدْتَ إِلَيَّ بِوَجْهٍ خَجُولٍ، تَطْلُبُ أَنْ أُجْلِسَكَ فِي قَلْبِي مِنْ جَدِيدٍ. ١٦٩
وَفِي ظِلَالِ التَّرْجَمَةِ «كُرْدِيٌّ – عَرَبِيٌّ»:
« زِيكَا چُوو وَدِگَهْ لِ خَهْمْ وَتَهْ خِمِينَا هێڵَام…» ظَهَرَ وَاخْتَفَى مِثْلَ الْبَرْقِ بِلَيَالِي الظَّلَامِ.
« خُوشِي وَلِهْ زَهْ ت هَهْ مِي بَرْنْ وِنَهْ مَان…» عَافَنِي الْحَبِيبُ وَرَاحَ وَتَرَكَنِي بِغَيْرِ زَمَانٍ.
« پێشْمَهْ رْگَهْ مَهْ قُورْبَانِمْ بۆ خَاكَا وَلَاتِي…» يَشْهَدُ الْعَالَمُ فِي الْمَعَارِكِ عَنْ بُطُولَاتِي.
« قَارَهْ مَانِمْ خُودَانْ تِڤَهْ نْگْ وْپێنُوس…» أَقْتُلُ وَأُمْسِكُ بِالْعَدُوِّ وَلَمْ أَقْطَعِ الرُّؤُوسَ.
حَيَاةُ الْغُرْبَةِ الشِّعْرِيَّةِ، حَيَاةُ دُولَابٍ لَا يَثْبُتُ عَلَى حَالٍ؛ تَارَةً تُفْرِحُ قَلْبَكَ، وَتَارَةً تُحْزِنُهُ. سَنَوَاتُهَا تَمْشِي بَيْنَ الْجِرَاحِ وَالْآهَاتِ، وَكَثِيرًا مَا تُرِيكَ مَا هُوَ حَقٌّ وَمَا هُوَ بَاطِلٌ. الْحَيَاةُ مُرُورُ الْأَيَّامِ وَالسِّنِينَ، وَالْعُمْرُ فِيهَا يَمْضِي وَيُفْنَى، وَالنَّهَارُ يَجِيءُ ثُمَّ يَرْحَلُ، صَحِيحَةً كَانَتْ أَوْ مُتْعِبَةً، فِي النِّهَايَةِ تَزُولُ. الْحَيَاةُ خَفِيفَةٌ وَقَصِيرَةٌ، مَلِيئَةٌ بِالْهُدُوءِ حِينًا،
وَبِالْقَسْوَةِ حِينًا آخَرَ، مَرَّةً تُلْبِسُكَ نَسِيمًا رَقِيقًا، وَأُخْرَى تُذِيقُكَ مُرَّهَا وَشَدَائِدَهَا.
الربط بين الأقسام (الاجتماعي، الثوري، الديني، العشق) موفق، ويعكس شمولية التجربة. الكتاب يحمل موقفًا أخلاقيًا وإنسانيًا صريحًا دون تزييف. شهادة زمن عاش فيه الشاعر بين المنفى السياسي، والقلق الوجودي، والتشظي المكاني. مرآة لثلاثة مستويات من الغربة: غربة المكان (المنفى، التنقل، الاغتراب الجغرافي). غربة الروح (العشق، الفقد، الخذلان). غربة القيم (العدالة، الدين، الوطن). تجربة شاعر حمل الوطن في قصيدته، والمنفى في قلبه، فكتب الشعر بوصفه مقاومةً وحنينًا معًا.
****
الْمَصْدَرُ:
كِتَابُ: الشِّعْرُ وَالْغُرْبَةُ
الْمُؤَلِّفُ: أَبُو أَشْرَفْ مِيرْسِيدِي
الْغِلَافُ: الْفَنَّانُ التَّشْكِيلِيُّ نِزَارُ الْبَزَّازِ
الطَّبْعَةُ الْأُولَى – مَطْبَعَةُ كَازِي
رَقْمُ الْإِيدَاعِ: 3317/25/دُهُوك







































