طواحينُ الهواء
لا تزالُ تدور
في كلِّ العصور
تدورُ
وتدورُ
وتدور
ونحن ننتظرُ الفجرَ
فلا الرّيحُ تهدأ
ولا يصحو النّاطور
نَعِدُّ أعمارَنا
بحبّاتِ قمحٍ
لا نطحنُها
نُخبِّئُ أحلامَنا في صوامعِ الخوفِ
ثمّ ننسى المفاتيح..
السّياسةُ منبرٌ عالٍ
صوتُه أعلى من جوعِ
الأرغفة
يُبدِّلُ الوجوهَ
ولا يُبدّلُ المصير
ويتركُ للنّاسِ ظلَّ رايةٍ
دونَ وطن..
الحروبُ ساعةٌ مكسورةٌ
تُقاسُ بالدّمِ
كلُّ عقربٍ فيها سكّينٌ
وكلُّ دقيقةٍ
جَنازةٌ
أمّا الاقتصادُ
فعجلةٌ عمياءُ
تدهسُ الوقتَ
تدوسُ الكرامةَ
ولا ترى الإنسانَ..
نركضُ خلفَها فتسبِقُنا
ونحسَبُ التّعبَ إنجازًا
نشيخُ واقفين
كحرّاسٍ
بلا أسوار
نحرسُ الغدَ
ولا يأتي
ونُصَدِّقُ أنَّ الدّورانَ تقدّمٌ
وأنَّ الضّجيجَ حياةٌ
الفجرُ هناكَ خلفَ هٰذا الصّخَبِ
لكنَّ الطّواحينَ تحجُبُهُ
تسرُقُ الهواءَ
وتتركُ لنا الغبارَ
و”دون كيشوت”
الفارسُ النّحيلُ
لا يزالُ يرفعُ رُمحَهُ في ساحةٍ بلا فرسان
يُقاتلُ الطّواحينَ لا لأنّها أعداءٌ
بل لِيُثبِتَ أنَّ الوهمَ
أشرفُ من الصّمتِ
صَدَّقَ العدالةَ
هاجمَ الرّيحَ
بَدَلَ أنْ يُفاوضَ العاصفةَ
“سانشو” يمشي خلفَهُ
يحملُ الخُبزَ والحساباتِ
يعرفُ أنَّ الطّواحينَ
لن تسقُطَ
لٰكنَّهُ يخافُ أنْ يسقُطَ الحُلُمُ إنْ توقَّفَ عنِ القتال
وهٰكذا نحنُ جميعًا “دون كيشوت” بلا حصان
نُلوِّحُ بمنديلِ الظَّفرِ
بوجهِ عالَمٍ آليٍّ
نُهزَمُ كُلَّ مرّةٍ
فنعاودُ الهجومَ
كي لا نصدِّقَ أنَّها قَدَر..
“دون كيشوت”
لم يكُنْ يحاربُ الطّواحينَ
بل كانَ يكشِفُ سِرَّها
بأنّها تدورُ
كي لا نلاحظَ
أنَّ القمحَ لا يُطحنُ
كلُّ حربٍ
طاحونةٌ
وكلُّ معركةٍ
ريحٌ مستعارةٌ
نرمي فيها أعمارَنا
فنُسَمِّيها بطولةً
نخرجُ منها أخفَّ
لا لأنّنا انتصَرْنا
بل لأنَّ العمرَ
صارَ هواءً منثورًا
تدورُ الطّواحين
وتبقى الحبوبُ
كما هي
وتشيخُ الأيدي
الّتي انتظَرَتِ الخُبزَ
هٰكذا نفهمُ متأخّرين
أنَّ المشكلةَ
لم تكُنْ في الرّيحٍ
بل في الوهمِ
الّذي أقنعَنا
أنَّ الدّورانَ
طَحنٌ
وتبقى الطّواحينُ
بين جنونِ نبيلٍ
وعقلٍ يُبَرِّرُ الدّورانَ.
عايدة قزحيّا
“أنين العمر”







































