مُغْلَق
لم يحدُثِ الأمرُ فجأةً كما يتخيّل النّاسُ دائمًا، لم تكن هناك صافرات، ولا ركض، ولا صراخ طويل.
كانت المدينة تبدأ في الاختفاء ببطء، كأنّ أحدًا قرّر أن يُطفئها على مهل، بيتًا بيتًا، وجهًا وجهًا.
كنت أراقب من الشّرفة في اللّيلة الأولى حين انقطع الضّوء، ظننته عطلًا عابرًا. في اللّيلة الثّانية لم يعُد الجيران يفتحون النّوافذ. في الثّالثة صار الصّمت كثيفًا، له وزن، كأنّه مادّة تُسكب في الهواء.
لم أخرج.
تعلّمت سريعًا أنّ البقاء في الدّاخل أسلم.
الّذين خرجوا لم يعودوا، أو عادوا ناقصين من شيءٍ لا أراه.
مرّت الأيّام — أو ما حسبتها أيّامًا — وأنا أتعلّم العيش وحدي: كيف أقاسم الطّعام مع الوقت، كيف أُسكت الذّاكرة، كيف أتكلّم بصوت عالٍ كي لا أنسى لغتي. كنت أقول لنفسي إنّ النّجاة ليست بطولة، بل غريزة، وأنّني لست أقوى من غيري، فقط أكثر حذرًا.
كنت أسمع الطّرق أحيانًا.
خفيفًا، متردّدًا.
أصواتًا أعرفها.
أقول: ليس الآن، حين أفهم ما يحدث.
في إحدى اللّيالي وقفت خلف الباب طويلًا.
كان الصّوت واضحًا.
قال اسمي.
ارتجفت يدي على المقبض، وفكّرت — لثانية فقط — أن أفتح، أن أشارك مصيري مع شخص آخر، أن لا أكون وحدي في هذا الفراغ.
لكنّ الخوف أقنعني أنّ الوحدة أقلّ فتكًا من الخطأ.
رجعت خطوة إلى الوراء.
ساد الصّمت.
بعد ذلك لم يعُد أحد يطرق.
استقرّ العالم على شكله النّهائي: شوارع فارغة، ساعات متوقّفة، وامرأة واحدة تُتقن العيش بلا شهود.
كنت أكرّر الكلمة حتّى صارت مريحة: ناجية.
النّاجية الوحيدة.
اليوم، وأنا أكتب هذا، أعرف الحقيقة الّتي لم أسمح لها بالظّهور وقتها:
لم أبقَ لأنّني الأقوى،
بل لأنّني في اللّحظة الوحيدة الّتي كان يمكن أن يتغيّر فيها كلّ شيء،
اخترت ألّا أفتح.
لم يعاقبني العالم.
ترك لي الحياة كاملة.
وترك لي معها هذا الفراغ،
كعقوبة صامتة
لا تُفتح.
داليا السبع







































