ثنايا: معراج مسرحي ينسج الحلم بالرؤى الصوفية
بقلم الأستاذة ليلى بوشمامة/ المغرب
يبرز العرض المسرحي ثنايا كعلامة فارقة في مسيرة المسرح العربي المعاصر، حيث يقدم المبدع التونسي يوسف المولهي رؤية بصرية وجمالية متكاملة، اضطلع فيها بكتابة النص وتصميم السينوغرافيا والإخراج، ليخلق فضاء ركحيا يتجاوز المألوف نحو آفاق روحية أرحب. وتأتي هذه التجربة لتعيد صياغة العلاقة بين الخشبة والجمهور، إذ لا يكتفي المولهي بتقديم عرض فرجوي عابر، إنما يؤسس لمختبر فني يستنطق الجوهر الإنساني، ويجعل من “الثنايا” دهاليزا نفسية وفلسفية يعبر من خلالها المتلقي إلى عوالم الصفاء المطلق.
ويأتي التأليف الموسيقي والتوزيع بتوقيع الفنان العالمي آلان آلانس ليضيف بعدا كونيا للعمل، حيث تمت عمليات التوزيع الموسيقي والتسجيل والمكساج في ستوديو “Sound Alchemy” بالدنمارك، فالموسيقى هنا هي النبض الذي يحرك السكون ويمنح السينوغرافيا أبعادا سمعية تتداخل مع الضوء والظلال، وتزدان هذه المعزوفة بإيقاعات الفنانة الإيرانية المقيمة في الدنمارك شهرة شهرزاد، ومشاركة عازف الناي والإيقاع العراقي ستار الساعدي المقيم بهولندا. لقد استطاع آلانس أن يطوع النغم لخدمة الفكرة الصوفية، محولا قصائد أقطاب العشق الإلهي كجلال الدين الرومي، والحلاج، وابن الفارض، ومحيي الدين بن عربي إلى نص مواز يفيض بالدلالات والجمال، حيث أضفت هذه الكلمات التي لحنها ووزعها آلانس بعدا روحيا خفيا ومتناغما مع الخط القصصي للمسرحية، وتناغمت فيها الإيقاعات مع حركة الأجساد لتخلق حالة من الوجد الجماعي، تجعل من العرض سيمفونية متكاملة الأركان، تذوب فيها الفوارق بين ما هو مسموع وما هو مرئي.
ويستمد العمل قوته الروحية من صوت الممثل التونسي القدير عيسى حراث، الذي يمنح الرواية بنبرته الدافئة وقارا تاريخيا، ويحول الكلمات إلى تراتيل تلامس وجدان المتلقي وتفتح له أبواب التأويل. إن حضور قامة فنية بحجم حراث يضفي نوعا من المرجعية الفنية الرصينة، وكأن صوته هو الخيط الرفيع الذي يربط بين أصالة الماضي وتجريبية الحاضر، مما يمنح “ثنايا” ثقلا معرفيا يتجاوز حدود الفرجة المجردة نحو آفاق الحكمة الوجودية.
وتتجلى حيوية العرض في أداء جماعي متناغم لمجموعة من الفنانين التونسيين، يقوده كل من نتيجة حراث، عبد الخالق حراث، يوسف المولهي، علياء الكداشي، والجيلاني شحيدر، مع استحضار بصمة كل من شيماء الجديد والراقص رضوان بن عثمان اللذين كان لهما حضورا مميزا في النسخة الأولى من العرض، حيث تتحول الأجساد على الخشبة إلى أدوات تعبيرية بليغة تترجم أشواق الروح والوجد الصوفي في تجربة كوريغرافية لافتة جسدت المعاني العميقة لأشعار الحلاج والرومي وبقية الأقطاب بشكل بصري ملفت. هؤلاء المبدعون يقدمون لغة جسدية تتسم بالرهافة والقوة في آن واحد، حيث تصبح الحركة تعبيرا عن حالة من العشق المطلق والبحث عن الحقيقة، مما يضمن تدفق العمل بسلاسة وتنظيم يليق بضخامة هذا الإنتاج الفني.
يعد “ثنايا” جسرا ثقافيا عابرا للحدود، تجسد في اختيارات غنائية بالغة العذوبة، حيث يلتقي شجن العراقي المقيم بالسويد علاء رشيد وبحضور المغربية حسيبة منصيت، وقوة أداء السوري المقيم بالدنمارك بكري حمامي مع رقة التونسية رحمة بحري. هذا التنوع الصوتي يمنح العمل هويته العربية الجامعة، ويجعل منه أنشودة كونية تحتفي بالجمال المطلق، وهو ما ينسجم تماما مع توجهات شركة “آرت فرجة” وتجمع النشوة الصوفية الدولي في تقديم فن يستنطق الجوهر الإنساني ويحتفي بالقيم الروحية الرفيعة.
إن المتأمل في تفاصيل هذا المنجز يدرك أننا أمام حالة من التماهي بين الفنون، حيث تلتقي القصيدة باللوحة، والنغمة بالحركة، لتشكل وحدة عضوية يندر وجودها في المسرح المعاصر. ثنايا هو دعوة للغوص في عمق الذات، والبحث في طيات الروح عن تلك اللحظات النورانية التي تجمع البشر على اختلاف مشاربهم تحت راية الجمال والنشوة الصوفية، وهو العمل الذي يثبت أن المسرح يظل هو الملاذ الأخير للبحث عن الحقيقة والارتقاء بالوعي الجمعي.
لقد استطاع فريق العمل أن يقدموا للمكتبة المسرحية العربية عملا يستحق الوقوف عنده طويلا، سواء من حيث الجرأة في الطرح أو التمكن في التنفيذ. إن هذا التلاقح الفكري والفني بين المبدعين من مختلف الأقطار العربية يبرهن على أن الفن هو اللغة الوحيدة القادرة على صهر المسافات، وخلق كيان إبداعي يتكلم بلغة القلب ويخاطب العقل بوقار، مما يجعل ثنايا جديرا بأن يتصدر منصات النقد والحوار في كبرى المهرجانات والمحافل الثقافية التي دأبت على رعاية كل ما هو جاد وأصيل في عالم الإبداع.




































