بقلم ليلى بوشمامة – المغرب
يمثل مهرجان مالمو الدولي للعود والأغنية العربية في جوهره ظاهرة حضارية تتجاوز التوصيف التقليدي للمهرجانات الفنية العابرة، ليكون بمثابة مشروع تنويري متكامل ينهض من قلب مملكة السويد حاملا لواء التجديد والأصالة في آن واحد. إن هذا المحفل الذي بات يعرف عالميا كجسر نغمي يربط بين ضفاف الشرق التراثية ورحابة الآفاق الأوروبية الحديثة، يرتكز في كيانه على رؤية فلسفية تؤمن بأن الموسيقى هي اللغة الأسمى لوحدة الوجدان الإنساني والوسيلة الأكثر نفاذا لتجاوز حواجز اللغة والجغرافيا.
لقد استطاع المهرجان منذ لحظة انطلاقه الأولى أن يعيد تعريف الحضور الثقافي العربي في المهجر، منتقلا به من حيز الاستهلاك المحلي للجاليات إلى فضاء التأثير العالمي والمشاركة الفاعلة في المشهد الثقافي السويدي والأوروبي. ويعود الفضل في هذا التحول الجوهري إلى القيادة الفنية الرصينة للفنان والأكاديمي يوسف البدر، الذي استثمر تكوينه العلمي في جامعة لوند العريقة ليرسم للمهرجان مسارا يجمع بين رصانة البحث الموسيقي وحيوية الأداء المسرحي. فالمهرجان في عرفه ليس مجرد منصة للعزف، بل هو معمل لابتكار أنماط موسيقية جديدة ومحراب يقدم فيه العود بوصفه بطلا كونيا يحاور الآلات الغربية في سمفونية من التعايش والانسجام.
عند التأمل في البنية التنظيمية لهذا الحدث الكبير نجد تضافرا فريدا بين الفنون المتعددة؛ فالمهرجان لا يقتصر على الأمسيات الطربية الكبرى التي يحتشد لها الجمهور من مختلف الجنسيات، بل يمتد ليشمل ورشا تعليمية متخصصة تعنى بنشر علوم المقامات العربية وأسرار العزف على العود بين الأجيال الصاعدة والموسيقيين الغربيين التواقين لاكتشاف روح الشرق. إن هذا البعد التعليمي هو ما يمنح المهرجان صفة المؤسسة المستدامة حيث يسهم في خلق كادر موسيقي يمتلك الأدوات العلمية والذائقة الرفيعة، مما يؤمن استمرارية الإرث الموسيقي وتطوره في بيئة ثقافية متباينة.
وفي سياق الحديث عن الإنجاز الفني تبرز شخصية مؤسس المهرجان يوسف البدر كركيزة أساسية وحامل لجميع التفاصيل الفنية والهندسية لهذا المشروع. يوسف البدر الذي يحمل في جعبته أكثر من خمسمائة عمل فني استطاع ببراعة المؤلف والموزع أن يمنح المهرجان صبغته الخاصة؛ تلك الصبغة التي تمتاز بالدقة في اختيار المقطوعات والجرأة في تقديم قوالب موسيقية غير مطروقة تشمل الموسيقى التصويرية والمسرح الراقص وأعمال الأطفال. هذا التنوع الغزير يعكس شمولية الرؤية الفنية لدى البدر الذي يرى في الفن كلاً لا يتجزأ وفي الموسيقى رسالة تربوية واجتماعية وجمالية في آن واحد.
كما يشكل المهرجان فضاء رحبا لتعزيز التعاون الثقافي الدولي حيث يفتح أبوابه سنويا لاستضافة قامات فنية مرموقة من الوطن العربي، مما يخلق حالة من المثاقفة المباشرة بين هؤلاء المبدعين وبين الساحة الفنية في الشمال الأوروبي. هذا التبادل لا يتوقف عند حدود العرض بل يثمر عن مشاريع موسيقية مشتركة وإنتاجات فنية تجمع بين آلات الشرق وتوزيعات الغرب، مما يسهم في إثراء المكتبة الموسيقية العالمية بأعمال مبتكرة تحمل طابع الحداثة المتجذرة، وهي المعادلة الصعبة التي نجح يوسف البدر في تحقيقها بامتياز.
إن القيمة المعنوية لمهرجان مالمو الدولي للعود والأغنية العربية تكمن أيضا في دور مؤسسه كسفير فوق العادة للهوية الفلسطينية والعربية المعاصرة. فمن خلال التميز في التنظيم والارتقاء بالمستوى الفني يقدم المهرجان دليلا حيا على قدرة المبدع العربي على القيادة الثقافية في أرقى المحافل الدولية. إننا أمام ملحمة موسيقية تكتب فصولها كل عام على أوتار العود وتؤكد أن مدينة مالمو بفضل هذا الجهد الدؤوب قد أصبحت عاصمة بديلة للنغم الأصيل ومركزا لإشعاع الفنون التي تهذب الأرواح وتجمع القلوب تحت راية الجمال المطلق.
يستمر المهرجان في تطلعه نحو المستقبل طامحا إلى توسيع دائرة تأثيره ومستندا إلى رصيد وافر من النجاحات التي حققها يوسف البدر وفريقه العملي. إن السعي نحو الابتكار واستكشاف مختلف الأنماط الموسيقية والحرص على التميز الأكاديمي هي العوامل التي تجعل من هذا المهرجان نجما ساطعا في سماء الفن العالمي ومرجعا أساسيا لكل باحث عن الرقي والسمو في عالم الموسيقى والغناء. هكذا يظل يوسف البدر بموهبته الفذة وإرادته الصلبة الحارس الأمين لجماليات النغم والقائد لركب الإبداع الذي لا يعرف التوقف أو الانحناء.



































