القرَّاء
عبدالله بن مسعود
الجزء الأوَّل
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : قال رسول الله ﷺ ( خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود -فبدأ به- و أبي بن كعب ، و معاذ بن جبل ، و سالم مولى أبي حذيفة )
(عبد الله بن مسعود رضي الله عنه) إنك غلام (غليم ) معلم
( من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أُنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد )
العالم الرباني ، مناقبه غزيرة ، وسيرته حميدة ، الأواه الأواب ، الخاشع البكاء ، إنه خادم رسول الله ﷺ ، الداخل عليه دوماً وليس بمردود ، والحافظ الأمين لجميع الأسرار والعهود ، الذي كان يوقظ النبي ﷺ إذا نام ، بل ويستره إذا اغتسل ، إنه الضعيف القوي! إنه الفقير الغني! إنه المؤمن التقي النقي الأبي ، إنه الغلام المعلم ، والقارئ الملقن ، والفقيه المفهم ، إنه الرجل الذي وصفه فاروق الأمة عمر وصفاً دقيقاً محكماً في ثلاث كلمات لا تزيد ، فقال عنه عمر : كنيف ملئ علماً أي : وعاء ملئ علماً. ، قال عن نفسه: لقد رأيتني سادس ستة ما على الأرض مسلم غيرنا
قال عنه حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه ما أعرف أحداً أقرب سمتاً وهديا بالنبي ﷺ من ابن أم عبد وأنه أتقن كل ما تعلمه من رسول الله ﷺ0وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قدمت مع أخي المدينة فكنا نظن أن ابن مسعود وأمه من ال البيت من كثرة لزومهم للنبي ﷺ.
دفعه حب العلم إلى التعلم من النبي ﷺ ، قال رضي الله عنه: جاء النبي ﷺ وأبو بكر… فقلت: علمني. فمسح رأسي وقال:« يرحمك الله، فإنك غليم معلم». فنالته بركة دعاء النبي ﷺ فكانت له همة عالية ورغبة صادقة في تحصيل العلم وطلبه، فلازم النبي ﷺ لينهل منه علما وهديا، فقربه وأدناه. ، قال رضي الله عنه: أخذت من فم النبي ﷺ سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد. ، ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه .
قال النبي ﷺ» من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد «. فرفع العلم مكانته ، وأعلى مقامه ، وخلد ذكره. وكان رضي الله عنه قدوة للمعلمين ، يرفق بطلابه ، ويعاملهم بجميل أخلاقه ، فقد اجتمع بعض الناس عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقالوا: ما رأينا رجلا أحسن خلقا ، ولا أرفق تعليما ، ولا أشد ورعا ، ولا أحسن مجالسة من ابن مسعود ، فقال علي رضي الله عنه: اللهم إني أشهدك أني أقول مثل ما قالوا أو أفضل.
ونتعلم من الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه اعتناءه بمظهره ، وطيب رائحته ، فكان من أجود الناس ثوبا ، ومن أطيبهم ريحا يعرف بالليل بريح الطيب. فأحبه الناس لغزارة علمه ، وحسن خلقه ، وطيب جوهره ، وجمال مظهره ، وأقبلوا عليه ، لا يملون حديثه ، ولا يشبعون من علمه.
أول لقاء مع النبي ﷺ
يقول ابن مسعود : كنت أرعى الأغنام لـعقبة بن أبي معيط في شعاب مكة، فمر علي يوماً رسول الله وأبو بكر ، فقال النبي ﷺ لهذا الغلام الأمين: هل من لبن يا غلام! أي: هل عندك من لبن لتكفينا؟ فقال الغلام: نعم – ولكني مؤتمن! انظروا إلى هذه العبارة التي قالها ابن مسعود في الجاهلية قبل الإسلام! ولكني مؤتمن، فظلت هذه العبارة مع ابن مسعود بمثابة البوصلة التي تحدد اتجاه حياته إلى أن لقي الله جل وعلا. ولكني مؤتمن، لا أستطيع أن أقدم لكم اللبن، انظروا إلى الأمانة! في جاهليته أمين، فما ظنكم بأمانته بعد أن شرح الله صدره بالإسلام، ولكني مؤتمن! فقال النبي ﷺ فهل عندك من شاة لم ينز عليها الفحل؟ قال: نعم، ومتى كانت الشاة التي لم ينز عليها الفحل تدر لبناً؟! قال:
ائتني بها، فأتاه بشاة لم ينز عليها الفحل، فمسح النبي ﷺ ضرعها،
ودعا الله جل وعلا، فدر الضرع باللبن، فجاءه الصديق بإناء مجوف، فملأه النبي ﷺ باللبن وشرب وسقى أبا بكر وسقى الغلام، والغلام ينظر في دهشة واستغراب إلى هذه المعجزة! نعم، وإنها لمن أهون المعجزات، وسوف يرى هو بعينيه بعد ذلك العجب العجاب، فهو الذي روى كما ورد في صحيح مسلم أنه قال: والله إنكم لتعدون الآيات عذاباً، وإن كنا لنعدها بركة على عهد رسول الله ﷺ ، فوالذي نفس محمد بيده لقد كنا نجلس لنأكل مع رسول الله فنسمع تسبيح الطعام في يديه ﷺ! فنظر الغلام بدهشة واستغراب لشاة لا تدر لبناً؛ لأنه لم ينز عليها الفحل بعد، وإذ بها تدر اللبن، ثم يقول النبي ﷺ للضرع: اقلص، فقلص الضرع أمام عيني هذا الغلام المبارك! فذهب هذا الغلام الكريم إلى النبي ولم يكن يعرفه، فقال له: يا عماه! علمني من هذا القول الذي قلت، فمسح النبي رأسه وقال: إنك غلام معلم.
( صعد ابن مسعود رضي الله عنه يوماً شجرة الأراك يجتني سواكاً ، فهبت ريح، فجعلت الريح تكفؤه ) كان ضعيف البنية قوي الإيمان ، كان فقيراً غني اليقين ، جعلت الريح تكفؤه ، فضحك القوم ، فقال النبي ﷺ: (مما تضحكون؟ قالوا: نضحك من دقة ساقيه يا رسول الله فقال ﷺ : والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان يوم القيامة من جبل أحد ) 0 الله أكبر!.
ابن مسعود يقيم الليل فاستجيبت له ثلاث دعوات حيث دخل النبي ﷺ مسجده فوجد ابن مسعود يصلي فقال ﷺ سل تعطى فقال اللهم أسالك ايمانا لا يرتد ونعيما لا ينفد ومرافقة نبيك في أعلى جنان الخلد فقال ﷺ آمين الله أكبر!.
علم ابن مسعود
في ليلة مظلمة يلقى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ركباً يضم هذا الرجل المبارك ، ويخيم الليل بظلامه فيحجب الركب عن عمر رضي الله عنه ، فيسأل عمر : من أين القوم ؟ فيجيبه هذا الرجل المبارك من وسط هذا الركب الكريم قائلاً: من الفج العميق! فيسأل عمر : إلى أين تريدون ؟ فيجيب الرجل: البيت العتيق ، فيعي عمرالأمر فيقول : إن في الركب عالماً.
فيسأل عمر : أي القرآن أعظم ؟ فيجيب الرجل من وسط الركب : { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ } [البقرة:255].
فيسأل عمر : أي القرآن أحكم ؟ فيجيب الرجل المبارك من وسط الركب الكريم قائلاً: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْل وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى } [النحل:90].
فيسأل عمر : أي القرآن أجمع ؟ فيجيب الرجل : { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه } [الزلزلة:7-8].
فيسأل عمر : فأي القرآن أخوف ؟ فيجيب الرجل المبارك : { لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا } [النساء:123].
فيسأل عمر : أي القرآن أرجى ؟ فيجيب الرجل : { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [الزمر:53].
فينادي عمر قائلاً : أفيكم عبد الله بن مسعود ؟ فيجيب الركب قائلاً : اللهم نعم .
قال ابن مسعود: لما نزل قول الله جل وعلا من سورة المائدة : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. [المائدة:93] فلما نزلت وقرأها النبي قال ﷺ : ( يا عبد الله ! أنت منهم ) يشهد النبيﷺ لابن مسعود بأنه من الذين اتقوا وآمنوا ، واتقوا وآمنوا واتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين .
قال ابن مسعود : ( والله الذي لا إله غيره ، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت ، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيما أنزلت ، ولو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه ). قال ابن مسعود رضي الله عنه : (لقد قرأت على رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة ، ولقد علم أصحاب محمدﷺ أني أعلمهم بكتاب الله ، وما أنا بخيرهم ). ولطالما كان الحبيبﷺ يذهب إلى ابن مسعود ويحب أن يستمع القرآن منه ، فلقد ذهب يوماً وقال : ( اقرأ علي يا ابن مسعود ) فقال( أأقرأ عليك وعليك أنزل يا رسول الله؟!! )
فيقول الحبيب ﷺ : اقرأ عليَّ فإني أحب أن أستمع إليه من غيري )، ويستهل ابن مسعود القراءة المباركة فيفتتح سورة النساء ، ويقرأ ما شاء الله له أن يقرأ حتى بلغ إلى قول الله جل وعلا: { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا } [النساء:41] فقال ﷺ: حسبك يا ابن مسعود ! حسبك يا ابن مسعود ! يقول: فالتفت إلى رسول الله فإذا عيناه تذرفان ﷺ
أول من جهر بقراءة القرآن في مكة.
يقول الزبير بن العوام رضي الله عنه: اجتمع أصحاب النبي ﷺ في مكة ، وهم مضطهدين ، وما زالوا مشردين فقالوا: قريش لم تسمع القرآن يشهر لها به قط ، فهل من رجل يسمعهم القرآن؟ أتدرون من الذي أجاب بنعم؟! إنه هذا الغلام الفقير، الذي كان بالأمس القريب راعياً لأغنام سيد من سادات مكة ، فقال ابن مسعود : أنا ، فقال أصحاب النبي ﷺ نريد واحداً له عشيرة تمنعه وتحميه إن أراد به أهل مكة شراً، فقال ابن مسعود : دعوني، فإن الله سيمنعني ويحميني ، وانطلق رضي الله عنه وأرضاه في وقت الضحى ، حتى أتى مقام إبراهيم – عليه السلام – ووقف ليقرأ القرآن بصوته الحلو العذب الرقيق، وبدأ بقوله : بسم الله الرحمن الرحيم ، رافعاً به صوته ، والمشركون يجلسون حول الكعبة ، وظل يقرأ سورة الرحمن : الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ 0فنظر سادة قريش إلى بعضهم البعض وقالوا: ماذا يقول ابن أم عبد؟! تباً له إنه يتلو بعض ما جاء به محمد ! إلى هذا الحد من الجرأة ! يتلو على مسامعنا وبين أيدينا القرآن الذي جاء به محمد ، فقاموا إليه وضربوا وجهه ضرباً شديداً عنيفاً حتى سال الدم الشريف على وجهه الأنور، وانطلق بهذه الدماء الطاهرة إلى أصحاب النبي ﷺ ، فقالوا: هذا والله ماخشيناه عليك يا ابن مسعود ، أتدرون ماذا قال هذا الغلام قال: والله لأغادينهم بها
يوم بدر
قال رسول الله ﷺ يوم بدر:من ينظر ما صنع أبو جهل ؟ فقال ابن مسعود : أنا يا رسول الله! فانطلق ابن مسعود بسيفه ، فوجد أبا جهل قد قتله ابنا عفراء رضي الله عنهما، فقال له ابن مسعود : أنت أبو جهل؟ : هل أخزاك الله يا عدو الله؟! فأخذ سيفه وضربه فلم يغن فيه شيئاً، فبصق أبو جهل في وجه ابن مسعود ، وقال: خذ سيفي فاجتز رأسي به! فأخذ ابن مسعود سيفه وقطع به رأسه وذهب إلى النبي ﷺ فأخبره بمقتل أبي جهل ، فقال النبي: آلله الذي لا إله إلا هو؟ آلله الذي لا إله إلا هو؟ : أقتل أبو جهل حقاً ؟! قالها ﷺ مرتين ، فخرج مع عبد الله بن مسعود فلما رآه قال النبي ﷺ الحمد لله الذي أخزاك الله يا عدو الله ثم قال ﷺ هذا كان فرعون هذه الأمة
وصية ابن مسعود عند موته
من وصايا ابن مسعود رضي الله عنه ، كأنه يذكرالأمة فيقول : (إنكم في ممر الليل والنهار في آجال منقوصة ، وأعمال محفوظة ، والموت يأتي بغتة ، فمن عمل خيراً يوشك أن يحصد خيراً ، ومن عمل شراً يوشك أن يحصد شرا ، فمن وقي فالله تعالى وقاه ، ومن أعطي لله فالله تعالى أعطاه ، المتقون سادة ، والفقهاء قادة ، ومجالستهم زيادة ).
جمعه ونقحه
أبو الندى
محمود فوزي الموجي




































