بقلم الشاعرة/د.سحرحليم أنيس
أنتِ الحقيقةُ …
أُسَمّيكَ… لا كي أُجَمِّلَ وَجْهَ الدُّخانْ
أُسَمّيكَ كي أستعيدَ يدي مِنْ يديَّ… إذا ضاقَ هذا المكانْ
أُسَمّيكَ واللّيلُ يَشْرَبُ مِنْ فمِنا
ونَشْرَبُ من اللّيلِ… حتّى نُرى
حياةً/موتاً على كَفِّ حارسِنا
ونوراً/ظلاماً على كتفِ السِّجْنِ… حين يَغارُ الأذانْ
قَهْراً/حُرِّيَةً في دفاترِ طفلٍ
يُلوِّنُ باباً… فيأتي الرّصاصُ لِيُمْحِي اللَّوَنْ
ويكتبُ: “هذا الوطنْ”.
أنا ابنُ الزّحامِ،
وفي زحمةِ الخبزِ جوعٌ يُصافحُ جوعاً…
فيا لِلْجِناسِ المُرِّ: جوعٌ/جَوْعٌ
يُشابهُ صوتَ الحروفِ،
ولا يُشابهُ شِبَعَ العيونْ.
أرى القصرَ… يلمعُ مثلَ السّكينِ
أرى الشّعبَ… يلمعُ مثلَ العَرَقْ
وبين اللّمَعانَيْنِ طِباقٌ
يُسَمّيهِمُ “مَجْداً”
ونُسَمّيهِ… “حَرَقْ”.
يقولونَ: “سِلْمٌ” …
فأسمعُ في السِّلمِ صَفَّ الرَّصَاصْ
سلامٌ/سِمامٌ على شفةِ الميكروفونْ
وبين الكلامِ وبين الدّماءِ
قنابلُ صَمْتٍ… تُهَذِّبُ لحنَ النِّشيدْ
وتُقنِعُنا: إنَّ هذا نشيدٌ… وهذا نشيدٌ
وهذا الجليدْ.
أنا لا أُحِبُّ الشّتائمَ… لكنَّ جُرْحِي
إذا مَرَّ في حنجرتي
تَحَوَّلَ شِعراً…
وتحوَّلَ صراخي شَرَفاً
وتحوَّلَ صبري سُخْريَةً
من شرفٍ مُسْتَعَارٍ…
ومن صبرِ عبدٍ يَخافُ الكلامْ.
يا أنتَ…
يا رِقَّةَ الماءِ في قلبِ سيفٍ
ويا عُنفوانَ الرَّبيعِ إذا لامسَتْهُ الحِجارَةْ
أُحِبُّكَ…
والحُبُّ عندي ليسَ “وَرْداً”
ولا “قُبْلَةً” فوقَ بابِ القصيدةْ
الحُبُّ عندي
أن أرفعَ الخوفَ عن كَتِفِكْ
كي لا يُمَثِّلَ دورَ السّلاسلِ في معصمِكْ.
أُحِبُّكَ…
حينَ تُقَبِّلُ أُمُّكَ جبينَكَ
فتُشْعِلُ فيكَ البلادْ
كنايةُ أمٍّ: تُخبِّئُ في الدّمعِ خُبْزاً
وفي الخبزِ… موعدَ عَوْدٍ بعيدْ
وفي الموعدِ البعيدْ
قريبٌ يُسَمّيهِمُ “أملٌ” …
ونُسَمِّيهِ “عُمْرٌ يُريدْ”.
يا أنتَ…
إذا ضاقَ صدرُك من قَهْرِهمُ
فلا تَسْتَعِرْ من فمِ الحاكمينَ دعاءً
خُذِ الدّعاءَ من الشّارعِ المُتْعَبِ
من رغيفٍ يُفَتِّشُ جيبَ الصّباحْ
ومن امرأةٍ تُخَبِّئُ في صدرِها
سراجاً لِكُلِّ الجراحْ.
أرى الكذبةَ تمشي ببدلةِ قاضٍ
وتحملُ ميزانَها…
ثم تُعْلِنُ: “الحقُّ أعمى!”
فأضحكُ…
لأنَّ العمى ليسَ في الحقِّ
العمى في اليدِ الّتي تضعُ العَصْبَ فوقَ العيونْ
ومفارقةٌ: حينَ يفضحنا الضّوءُ
تَسْتُرُهُمُ الظُّلَمَاتُ…
وحينَ نضمد جراحَ البلادِ
يَفْتَحُها المُحْسِنونْ!
يقولونَ: “وطنٌ”…
وأنا أرى في الوطنِ
كفَّينِ: واحدةٌ تُنَظِّفُ دمعَ الفقيرِ
وواحدةٌ تَسْرِقُ الملحَ من جبهةِ العاملينْ
فأيُّهما الوطنُ؟
طباقٌ يُرَبِّي ضميراً على حافةِ السِّكِّينْ.
يقولونَ: “حرّيّةٌ”…
وتأتي “الحرّيّةُ” مُقَنَّعَةً
تُفَتِّشُ جَيْبَ الفتى
عن قصيدةْ
عن صورةْ
عن ضِحْكَةٍ عابرةْ
ثمّ تُصادِرُها…
وتمنحُهُ صَكَّ غفرانْ.
يا لكَ من صكٍّ يَحْتاجُ صكّاً
ويا لكَ من غفرانْ
يَحْتاجُ… مَغْفِرَةَ الإنسانْ.
أنا لا أُريدُ الجمالَ مَذْهَباً
ولا أُريدُ القصيدةَ سُلْطَةْ
أُريدُها مِرْآةَ مُتْعَبٍ
ترى وجهَها… فتُسَمِّيهِ وجهَ البلادْ
أُريدُها قنبلةً من ورودٍ
إذا انفجرتْ
لم تقتلِ النّاسَ… بل قتلتْ فيهمُ الخوفَ
كي يولدَ الميلادْ.
أُريدُها استعارةً تُشْبِهُنا:
نحنُ حينَ نَصْعَدُ فوقَ السّلالمِ
تسقطُ السّلالمُ مِنْ تَحْتِنا…
ونبقى
على حافّةِ الهواءْ
نُقَنِّعُ رُكْبَتَنا بالسّماءْ.
يا أنتَ…
إذا سَأَلُوكَ لماذا تَغْضَبُ؟
قُلْ: لأنَّ الغضبَ حينَ يَصْدُقُ
يَصيرُ صلاةْ
وقُلْ: لأنَّ السّكوتَ إذا طالَ
يَصيرُ خيانةْ
وقُلْ: لأنَّ البلادَ إذا نامتْ
استيقظَ الطُّغْيَانْ.
أُحِبُّكَ…
حينَ تُرَتِّبُ فوضاكَ في جيبِك
وتُخْفي دمعةً
كي لا يراها الجندْ
هذه كنايةُ رجلٍ
يُقاوِمُ…
لا لأنَّهُ حجرٌ
بل لأنَّهُ قلبٌ
يُصِرُّ أن يكونَ عَنْدْ.
أُحِبُّكَ…
حينَ تُصَالِحُ فيكَ الطّفلَ الثّائرَ
والرّجلَ الحنونْ
فتَجْمَعُ النّارَ/الماءِ
في كفٍّ واحدةْ
وتكتبُ في دفترِكَ:
“لن أستعيرَ النّجاةَ من قاتلي
سأصنعُ النّجاةَ من صَوْتِي… ومن صمتِ أمّي… ومن خبزِنا المسروقْ”.
يا أنتَ…
لا تُصَدِّقِ المَنْصِبَ اللّامعَ:
كلُّ بريقٍ ليسَ نوراً
بعضُ البريقِ فَخٌّ
وبعضُ النّورِ… جُوعٌ يُنِيرُ الطّريقْ.
ولا تُصَدِّقِ الوعدَ المُعَلَّبَ:
الوعدُ إذا لم يَمُرَّ بيدِ الفقيرِ
يَصيرُ كذبةً أنيقةْ
وإذا مرَّ بيدِ الفقيرِ
يَصيرُ خُبْزاً…
ويصيرُ حقيقةْ.
أنا ثائرٌ… نعمْ
لكنَّ ثورتي ليستْ صُرَاخاً على شاشةٍ
ثورتي
أن أقولَ الحقيقةَ كاملةً
ثمّ أمشي
كأنَّ الحقيقةَ خبزٌ
وكأنَّ الكلامَ رغيفٌ جديدْ.
أنا عاشقٌ… نعمْ
لكنَّ عشقي لا يبيعُ البلادَ
لأجلِ خدٍّ جميلْ
أنا أُحِبُّ الجمالَ الّذي لا يُهادِنُ
وأُحِبُّ القُبْلَةَ الّتي لا تُغَطِّي الجراحْ
وأُحِبُّ يديكَ إذا ارتجفتْ
ثم كتبتْ “لا”
فصارَ الارتجافُ سلاحْ.
يا أنتَ…
إذا قالوا: “تَحَلَّ بالصّبرِ”
فاسألْهُم: أيُّ صبرٍ؟
صبرُ القبورِ؟
أم صبرُ السّنابلِ حينَ تُقَاوِمُ الطُوفانْ؟
خذْ صبرَ السّنابلِ…
إنَّ السّنابلَ لا تلعنُ الرّيحَ
لكنّها تُصِرُّ أن تقومَ
كلما مرَّت الرّيحُ…
مرَّت الرّيحُ…
وبقيتْ هي…
وبقيَ المكانْ.
أنتَ الحقيقةُ…
حينَ تُنْقِذُ صوتَكَ من فمِكَ
وحينَ تُنْقِذُ وجهَكَ من قِنَاعِكَ
وحينَ تُنْقِذُ عُمْرَكَ من نشرةِ الأخبارْ
وتُعِيدُهُ… إلى قلبِك
كي يبدأَ النّهارْ.
وأنا معكَ…
لا لأنَّ الطّريقَ سهلٌ
بل لأنَّ الطّريقَ إذا كانَ صعباً
يُثْبِتُ: أنّا أحياءْ
وأنَّا إذا متنا
نَمُوتُ وقوفاً
كي لا ينامَ الطّغاةُ على موتِنا
كي لا يصيرَ الهباءُ…
دستورَهمْ
والسّماءُ… رُكاماً
والعَدْلُ… إعلانا.
بقلم الشاعرة/د.سحرحليم أنيس
سفيرة السلام الدولي
القاهره 1/4/2026




































