وضعتني أمي يابساً
قالوا: سينمو
ككلّ الأطفال سينمو.
كبرتُ..
وضوءٌ ثقيل يسبح في عينيّ
قلت لهم مرّة أنّني لم أرغب في أن أوجد
وأنّ الحياة سحابة نزلت على جسدي
وأنا لا أريد أن أصبح مطراً
لا أريد أن أسقي هذه الحقول
حيث تُنحر الأحصنة وتقتل النّساء
حيث يولد الأطفال يابسين
ثمّ يتجاوزون يباسهم.
لم أتجاوز يباسي..
مازال قلبي ينبض تيهاً
والضَّوءُ الثّقيل مازال يسبح في عينيَّ.
أراكم تشيِّعون الجنائز خلف الجدران
تقفون قبالة الغراب
فتتعلّمون من نعيقه كيف تبكون
تتعلّمون من مخالبهِ إذ تحفر في الأرض
كيف تدفنون حزناً قديما في قلوب أبنائكم
وأبناؤكم لا يريدون شيئاً
غير أن يحيوا
دون أن يتبعهم كلبُ القبيلةِ
ويعلِّق في أعناقهم أحزانها اليابسة
أبناؤكم لا يريدون غير تربية حنونة
ويدٍ لا تجيد الصّفعات.
كبرتُ..
صار لي حلم بالرَّحيل،
ركبت القوارب الّتي كسرتم مجاديفها
جدّفت بعظامي
ووصلت لقرية بعيدة
وحين استقبلتني الغزلان على بابها
وشمَت فوق جرحي ناياً
وفي اللَّيل حين يُتعبني السّهر
أترك النّاي يعزف يباساً
فأرى صوركم
وأنتم تدفنون خلف الجدران طفولتنا..
وطفولتنا غيمةٌ
طفولتنا نايٌّ وشم على جراحكم..
وحين يُتعبكم اللّيل
تسمعون أنينه،
ثمّ تغفون..
كأنّ إبناً لكم لم يغادر
كأنّ إبناً لكم لم يمت
وهو يجدّف بعظامه
إلى منافٍ لا وجود لها.
نورالدين كويحيا
المغرب.




































