التبئيرُ الوجدانيُّ وجمالياتُ الصوتِ في قصيدةِ طيف الحنين لعدنان الطائي.
دراسة ونقد: ا.د حمام محمد. جامعة الحلفة..الجزائر
بينَ يديَّ قصيدةٌ للشاعرِ العراقيُّ عدنان الطائي
القصيدة:
بقلم: عدنان الطائي
طيف الحبيب
لا تسأليني عن الندى
فصوتكِ ارق منه وأكثر سنا
لا تسأليني عن قلبكِ
فهو وطني ، قلبي منه دنى
لا تسأليني عن عشقي
ففي دهاليز حبكِ انتشى
طيفكِ يلاحقني كالنسيمِ
من سما إلى سما
وصورتكِ محفورةً بعيني
تتوارى بين اسطري ولا تأبى
أنكِ أحرف حبي الأولى
وقناديل عشقي المرتجى
وكلُّ أبجدياتُ الدُنى
لا تسأليني مَنْ أكونُ أنا ؟
أنا انكساراتُ أضواءِ النجومِ
من غير صدى
أنا الزمنُ جاءَ من السكونِ
أنا كالقطارِ يملئهُ شجا
أنا كالعصفورِ يعيشُ بلا غصونٍ
أنا صديقٌ بلا صديقٍ
معفرٌّ بترابِ النوى
فلا تستغربي مَنْ أكونُّ أنا
الرؤية النقدية
أردتُ إخضاعَها إلى رؤيةٍ نقديّةٍ جمعتُ بينَ رؤًى ثلاثةٍ نظرَ من خلالِها حنّةُ مينا إلى العالم، فأردتُ أن أكتشفَ عالمًا خفيًّا رآهُ الشاعرُ بعينٍ مُحدِقةٍ، إلى درجةٍ أنّها كانت لا تريدُ أن ترمشَ، وعدّ فعلَ الرمشِ أغاضَ قريحتي، وبحثتُ في عمقِ العمقِ لعلّي أظفرُ بعتبةٍ أو مانسنيّةِ بؤرةِ التبئير، التي من خلالها يتمسّكُ الهلاميُّ أو السيتوبلازما في خليةِ التنعيمِ البشريّ.
ينظرُ الشاعرُ في حوارٍ نراهُ خافتًا، ولكن أعمقَ، يسمهُ محاكاةٌ دفينةٌ، كأنّي أسألُ الندى قطراتِه الغائرةَ والمنسابةَ انسيابَ الحنينِ من خضوريّةٍ جذّابةٍ، ويجعلُ له ندًّا ذلك الصوتُ المرتبطُ بوقعِ قطراتِ الندى، يقولُ إنّ الصوتَ أرقُّ. إلى هنا نستنتجُ شيئين اثنين: الأوّل، هو محاولةُ التمعّنِ والتفحّصِ ثمّ التكبيرِ من قدرةِ الوقعِ على الأرضِ أو على الماء، فالماءُ إن وقعَ على الماءِ تلتئمُ الأسماءُ مرّةً واحدةً، في أنّ الصوتَ يريدُ أن يحتلَّ عمقَ التفكير، فهو قد استخرجَ مراوغةً جماليّةً، لكنّها ملكٌ للغير، لأنّنا نقرأُ ذلك في كثيرٍ من أداءِ الهايكو، وحتى شعرِ نزار، ولكن الكلمةَ الجماهيريّةَ يلزمُها التنظيم، لكنّ المحاكاةَ تبقى أبديّةً قابلةً للتصرّف.أمّا الشيءُ الثاني فهو اختلاؤُه بالوصفِ الدقيقِ والتميّزِ الفردانيِّ لذلك الصوتِ الذي يسكنُ مشاعرَه الداخليّة، لأنّ العلاقةَ علاقةُ طيفٍ وحنين… قال:
– لا تسأليني عن الندى
– فصوتُكِ أرقُّ منهُ وأكثرُ سَنا
يرميهِ السؤالُ مرّةً أخرى إلى مسألةِ القلب، وهنا تجتمعُ الثقافةُ الصوفيّةُ أو التأويليّةُ، لأنّ القلبَ هو غرفةُ الانبلاجِ في الفيوضات، ولكن أكّد مخالفًا لمن شرعوا السياحةَ الصوفيّةَ انطلاقًا من القلب، فالقلبُ للحنين، ولكنّه وطنٌ يسكنه، يبرزُ التشابهُ في الكيفيّةِ والمعنى والرفعة. إنّي أغبطُه لما يتحوّلُ الوطنُ إلى ذلك الشعورِ الحنينيِّ الغرائبيِّ الذي يعترينا ونحن ننظرُ إلى عمقِ الفنِّ وجماليّاته.
السؤالُ أنّ قلبَكِ الصغيرَ قد دنا، والدنوُّ صفةٌ كبيرةٌ لها تاريخٌ في العُليا. أصدقُكَ القولَ إنّ المنظرَ صوفيٌّ انبعاثيٌّ إلى عالمِ الفيوضات، من يقرأُ البدايةَ يظنّك مُرحّلًا إلى ذاك من ذاك، ولولا ذاك لما تبيّن أنّك حسّاسٌ إلى درجةٍ لا تُوصف. أخالك تريدُ أن تبوح، ولكن هناك عتبةٌ، سمِّها إن شئتَ عثرةً، تعرقلُ النفاذَ في أمرِ الاختراقِ المنصفِ إلى قلبِه وقلبِها والدنوّ.
– لا تسأليني عن قلبكِ
فهو وطني، وقلبي منهُ دنا..
الآن يظهرُ الاعترافُ بالعشق، لا التولّه ولا الهيام، وكان الشاعرُ يعيشُ الهوينى، وأنّ ملكَ العشقِ قد تغشّاهُ إلى غايةِ عدمِ الرؤيةِ أو الضبابيّةِ العينيّة. إن سُئلتَ عن العشق، لقد انبرى العشقُ في مليارِ محاكاةٍ منذ فجرِ التاريخ، بل لقد أصبغَ جميعَ الأمكنةِ في القلوبِ الحسّاسة، وما أنتَ إلّا عاشقٌ يريدُ أن يتثبّتَ بالسطحِ طلبًا للتميّز، لأنّ من تعمّقَ تميّز، وإلّا لما سارَ الأمرُ إلى حدّ لا سؤال. في رأيي أنّ كلّ الأسئلةِ قد يُجابُ عليها بنوعٍ من المنطق، إلّا سؤالَ العشق، فهو سؤالٌ مركّبٌ على الكذب، فكلّما ترى الإجابةَ تحسُّ كأنّها هي وما بلغت حدَّ التصديق، حتّى نكادُ نقول إنّ العشقَ مجرّةٌ هاربةٌ في سديمٍ لا نهايةَ له…
تنظرُ قوله:
لا تسأليني عن عشقي
ففي دهاليزِ حبكِ انتشى..
يأتي الانبعاثُ الوجدانيُّ والعاطفيُّ كأنّه يهربُ إلى حتفِه من سماءٍ إلى سماء، تعبيرٌ جيّدٌ حتى لا أقول تشبيهًا خرافيًّا، فالجولةُ ليست في السماء بل في الأرض، وإلّا لما سألَ الندى. كن هادئًا وأخبر قلبَك: من يستحقّ الآخر، طيفُك أم طيفُها؟ إنّ في الأمر خطبةً يجب أن يحلّها.
متلازمةُ اللغةِ القويّةِ التي تستعملها كأنّها فانوسٌ مضيءٌ، لكون الصوتِ لم يتشكّل قبلها، كان الطيفُ هو الذي يطاردُ خيطَ دخانٍ على حدّ قول عبد الحليم حافظ..
– طيفُكِ يُلاحقني كالنسيمِ
من سما إلى سما..
الصورةُ الآن توضّحُها كأن لا شيء حدث، ولا هروبَ ولا ملاحقة، لأنّها كحفورةٍ بالعين، واقعةٍ على شبكيّةِ العين، لا يؤوّيها زوالٌ، فراغُ المشاهدِ الأخرى هو التكميلُ والتجمّلُ والتكوّن، ما دامت تسكنُ في حدقةِ العين تارةً، وليست لها آخرة، لأنّ الشاعرَ ربطها بالحفر، فأصبحت جاثمةً كتمثالِ بجماليون في مسرحِ توفيق الحكيم.ومع ذلك أقرّ أنّك مستلهمٌ لرؤًى وحكاياتٍ من واقعِ الهيام، ها أنت تقول:
– وصورتُكِ محفورةٌ بعيني
– تتوارى بين أسطري ولا تأبى
يذهبُ الأسلوبُ الوصفيُّ، وتكثرُ الإثارةُ الوصفيّةُ على مفترقِ الطرق، عندما تتحوّل تفاصيلُ الصورةِ إلى مجرّد حروفٍ وقناديلَ واشتهاء. خذ في طرحِك أنّك الآن تعاني من بهتِ قيلولةٍ، ترى الصُّوَرَ وتترجّى، وكأنّ اعترافاتِك كلّها مثاليّة. الأجدرُ أن لا تترجّى هنا، لأنّ النهايةَ اتّضحت من خلال الدنوّ من الصورةِ التي بحثتَ عنها وفكّكتَها على طريقة رولان بارت في التضمين.
– أنكِ أحرفُ حبي الأولى
وقناديلُ عشقي المرتجى..
وتستمرُّ حكايةُ البحثِ عن البؤرةِ القاضمة، حين ربطتَ بيأسٍ كلَّ حكاياتِ الدنا بقصّه وفصله، طالبًا عدمَ السؤال: من هو؟ تتردّدُ الهويّةُ في الإفصاح، ويظنّها قد أفصح عنها في السابق، وهذا الظنُّ تمّ لمسه من خلال أسئلتِك وأجوبتِك الباطنيّة التي حوصلتَها في أجوبةٍ راقيةٍ ذاتِ ثناءٍ شعريّ، قلت، وهذا واضح:
– وكلُّ أبجدياتِ الدُّنى
لا تسأليني من أكونُ أنا؟
وصلتَ بنا، ويا ليتك ما أوصلتنا، لتقول في الأخير إنّ غربةَ الأسئلةِ التي منعتَها عنها وعنّا ما هي إلّا انكساراتٌ ضوئيّةٌ مرضيّةٌ، كالتي تصيبُ سكريَّ الشبكيّة، فتزيغُ بهم الأبصار، كما تتباعدُ عن هندسةِ النجوم، فنراها مجرّد حباتٍ تشبه الجدريّة أو النقاطِ السوداء التي تخالُ العينُ حين تتحرّك شبكيّتُها.
أنا قلتُ بدون صدى، وهذا فألٌ جيّدٌ، نرتقبُ له صدى في الطرحِ الآخر حين تقول:
أنا انكساراتُ أضواءِ النجومِ من غيرِ صدى




































