بوصلة التّيه
د. لورانس نعمة الله عجاقة
في البدء كان النّبضُ يركض كطفلٍ ضائعٍ في متاهةٍ من المشاعر، يمدّ يديه نحو اتّجاهاتٍ لا اسم لها. يستيقظ القلب على ارتباكه كمسافرٍ وجد نفسه فجأةً في أرضٍ لا تشبه خرائطه، والرّيح من حوله تعصف بأسئلته. يمشي فوق دروبٍ من وهم، يظنّها حدائق مزهرة، فإذا بها مرايا باردة تعكس تعبه. القلب حين يتيه يشبه طائرًا جريحًا يحاول الطّيران بجناحٍ من شوق وجناحٍ من خيبة؛ كلّما رفرف سقط في هوّة الذّكرى.
هو نهرٌ خرج عن مجراه، لا يعرف إلى أيّ بحرٍ يصبّ، يحمل في مياهه حكاياتٍ لم تكتمل، ووجوهًا مرّت كالغيم ولم تمطر. يحاول أن يُرمّم خرائطه من بقايا نبض، لكنّ الطّرق داخله متشابكة كخيوط ليلٍ طويل. كلّ خطوةٍ فيه ارتباك، وكلّ نبضةٍ سؤال.
وحين يعجز القلب عن إصلاح طريقه، يجلس على عتبة الصّمت كشيخٍ متعب، يعدّ خساراته كنجومٍ بعيدة. لكنّه، رغم التّيه، يبقى جمرةً صغيرة تحت الرّماد، تؤمن أنّ في آخر العتمة فجراً ينتظره. فالقلب، وإن ضلّ، يحمل في أعماقه بذرة رجوع؛ كزهرةٍ تنمو خفيةً في شقّ صخر، تبحث عن الضّوء بإصرار الحياة.



































